آراء وتحليلات

والي أنقرة على أدلب

16/01/2019

والي أنقرة على أدلب

محمد محمود مرتضى

لم يكن الاتفاق الروسي ـ التركي في سوتشي حول ادلب وضرورة تصفية "هيئة تحرير الشام" هو الاتفاق الأول، وربما لن يكون الأخير. فتركيا اعتادت التسويف في تطبيق التزاماتها، لا سيما اذا كان الأمر يتعلق بـ"هيئة تحرير الشام" وباقي الفصائل العاملة في مناطق نفوذها. وربما ما شجع تركيا على هذه التسويفات هو التركيز على كون "داعش" وحده يمثل الارهاب، فيما "تحرير الشام"، المصنفة ارهابية، غابت عن المشهد الدولي وخطابات قادته سواء من يشارك بما يسمى التحالف الدولي أو لا يشارك.

وفيما كان ينتظر البعض، ممن يثق بتركيا والتزاماتها ويعول عليها، أن تقوم أنقرة بتصفية الهيئة، قامت الهيئة بتصفية خصومها في ادلب على مرأى ومسمع من الجيش التركي.

جاءت المعارك الأخيرة بين الهيئة من جهة وجماعات نور الدين زنكي والجبهة الوطنية للتحرير (نواتها فيلق الشام) وحركة أحرار الشام من جهة ثانية بعد خروقات متعددة قامت بها الجماعات المسلحة لاتفاق سوتشي، واشعال مناطق عدة على محاور حلب الغربية وشمال حماه، وأسفرت هذه المواجهات عن قيام الهيئة باحكام سيطرتها على محافظة ادلب وتصفية خصومها فيها.

هذه المعارك لم تكن الأولى، الا أنه ما يلفت الأنظار هو "مصادفة" حصول هذه المواجهات بعد كل اتفاق لخفض التصعيد، وكانت الهيئة بعيد كل اتفاق تجهز على فصيل، وتوسع من سيطرتها على المحافظة.

هذا الكرم التركي باطلاق يد "الجولاني" في محافظة ادلب، رد عليه الجولاني "بأحسن منه"، اذ لم يكد ينهي سيطرته على المحافظة حتى أكد، خلال مقابلة متلفزة، دعمه لأي عملية عسكرية تركية شرق الفرات، واصفا حزب العمال الكردستاني بأنه "عدو الثورة السورية". لكن "ثورة" الجولاني التي يتحدث عنها بوصفها تحرراً من "اضطهاد النظام السوري"، تمتدح وتعتمد في تثبيت سعيها "للتحرر" على العثماني الذي لا يخفي مطامعه التاريخية في سوريا. لكن اللافت في كلام الجولاني هو تركيزه على وصف كل من روسيا وايران بالعدو، فيما يؤيد عملية عسكرية تركية شرق الفرات، رغم دخول تركيا في تفاهمات مع هذين "العدوين".

لكن السؤال الأهم هو، هل سيكتفي الجولاني ببيع المواقف لتركيا حول عملية محتملة شرق الفرات، أم أن الثمن المطلوب منه دفعه يتعدى التأييد الكلامي ليصل الى حد الانخراط الى جانب تركيا في معاركها شرق الفرات؟

منذ اتفاق سوتشي حول المناطق منزوعة السلاح، والتركي يماطل في تنفيذه، ويغطي تحركات الجماعات المسلحة في خرقه، فضلا عن المماطلة في تهيئة الظروف للإجهاز على "تحرير الشام"، مع أن تركيا تنصلت سابقا من كل الالتزامات المشابهة، والوقت الذي كانت تأخذه لإضعاف الهيئة، كانت تستثمره في تقويتها، ما يؤكد أن تركيا انما تسعى لفرض الهيئة كطرف فاعل في أية تسوية سياسية، وعدم تجاهلها من المفاوضات والاتفاقات، على أن جميع مناورات تركيا فيما يتعلق بالهيئة، تشي بأنها الداعم الأكبر لها، كما كانت الداعم الأكبر لـ"داعش"، مع فارق أن تركيا كانت تصرح بارهابية "داعش" فيما لم تتبن ذلك بما يخص "هيئة تحرير الشام".

من المؤكد أن فرض الهيئة كطرف سياسي في الازمة السورية سوف يستلزم توسعة المروحة الجغرافية التي تتواجد عليها، وهذا يقتضي تفعيل دور الهيئة في معظم المناطق التي لا تزال خارج نطاق سيطرة الحكومة السورية، ما يجعلنا أمام اجابة ترتبط بالسؤال المذكور سابقا حول امكانية مشاركة "تحرير الشام" في حرب تركيا على شرق الفرات.

ان توسعة هيمنة الهيئة لفرضها كأمر واقع في اطار الحل السياسي سيعني، ان تم، ان الهيئة تنتظرها معارك وحروب في شرق الفرات تثبت من خلالها ولاءها المطلق "للسلطان اردوغان"، والا فان ولاء الجولاني واستحقاقه "لولاية ادلب" على المحك ما لم يضع بعضا من دم الشعب السوري في خدمة ولي الامر القابع في "القسطنطينية الجديدة" انقرة.

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات