آراء وتحليلات

غاز شرق المتوسط.. اتفاقيات تطبيع وآفاق حرب جديدة

505 قراءة | 08:27

عبير بسام

لا يخفى على أحد أن ملف الغاز في المنطقة سيشكل مصدراً للصراع على النفوذ في منطقتنا العربية وخاصة في بلدان شرق المتوسط التي ابتدأت تتكشف حجم كميات الغاز فيها، والتي وصلت بحسب التقديرات إلى 3.5 تريليون متر مكعب. وجاء الإعلان عن تأسيس "منتدى شرق المتوسط للغاز" لينتقل هذا الصراع نحو مرحلة أكثر تقدماً في الأيام القادمة. فهو بمثابة إعلان "كارتل" تستطيع الدول المنضوية تحته العمل مجتمعة في المنطقة محاولة بذلك عزل دول منتجة للغاز وتهميش أخرى! ومن جهة أخرى فهو بمثابة إعلان تكريس للعلاقات مع العدو الاسرائيلي ما بين الدول المنضوية تحت المنتدى، مما يجعل الأمر أكثر صعوبة لكل من لبنان وسوريا اذا ما قررتا الإنضمام إليه، على الأقل في المرحلة الراهنة!

تأسس المنتدى بعضوية الدول التي اجتمعت في القاهرة في 13 كانون الثاني/ يناير من هذا العام، والتي تضم كلاً من مصر والأردن وفلسطين وإيطاليا واليونان وقبرص والكيان الاسرائيلي، وأما دول شرق المتوسط التي بقيت خارج هذه التشكيلة فهي سوريا ولبنان وتركيا. ويبدو أن الكيان الاسرائيلي هو اللاعب الأقوى في هذه التشكيلة، هو يسيطر على الغاز الفلسطيني في شواطئ غزة ويسرق الغاز الفلسطيني واللبناني والمصري على حد سواء. ويبدو أن الكيان، الذي لم يستطع فرض الحصار السياسي على سوريا ولبنان من خلال حرب الإرهاب في الثماني سنوات الماضية، يحاول أن يفرض عليهما شروطه بالتطبيع من خلال "مؤتمرات" الغاز.

ينبغي التنبه خلال الحديث عن "منتدى شرق المتوسط للغاز"، إلى وجوب النظر بتمعن إلى الدول المؤسسة لهذا المنتدى والدول المستثناة منه. فما عدا تركيا التي هي على صراع تاريخي وايديولوجي مع جميع دول شرق المتوسط تقريباً، فإن كلاً من سوريا ولبنان لم يقبلا حتى اليوم توقيع ما يسمى بـ "معاهدات السلام مع اسرائيل"، وأما باقي الدول فهي إما ذات علاقات طبيعية مع الكيان أو دول وقعت اتفاقيات سلام معه، وهي الدول العربية المنضوية تحت المنتدى اليوم. وقد أعلن مسؤولون اسرائيليون عدة عن مدى سعادتهم لتشكيل المنتدى وتوقيع الإتفاقيات الإقتصادية مع كل من الأردن ومصر، لأن ذلك من شأنه تعزيز العلاقات الإقليمية. واعتبر يوفال شتاينتس وزير الطاقة في كيان العدو أنه: "ولأول مرة [يقوم] تعاون اقتصادي فعلي بين دول محور السلام". ويبدو أن منتدى شرق المتوسط للغاز سيرفع العلاقات إلى مستوى لم تكن لتصل إليه بالمباحثات الدبلوماسية ولو بعد مئة عام. وذلك لما للعلاقات الإقتصادية من دور هام في تعزيز العلاقات السياسية والإجتماعية، ويمكننا أن نقرأ ذلك على سبيل المثال من خلال الدور الذي لعبه الإتحاد الأوروبي، والذي ابتدأ كاتحاد اقتصادي، في تقريب الدول الأوروبية من بعضها البعض، لدرجة أنه قد جعل أوروبا اليوم كتلة اجتماعية وسياسية واحدة، على الرغم من تعدد اللغات والأعراق فيها، وشدة الصراعات التي شهدتها دولها عبر التاريخ.

حتى اليوم قامت الإعتراضات العديدة في الأردن ومصر حول اتفاقيات الغاز المعقودة مع العدو الاسرائيلي، ففي الأردن كان هناك نقاش واعتراض حاد من قبل النقابات على الإتفاق، وقد أشار العديد من الأردنيين، إلى أن الحكومة قد دخلت على خط التطبيع مع الإحتلال واعتبروا أن الإتفاقية تعدّ "ارتهاناً سياسياً للإحتلال".  ولكن الحكومة الأردنية بررت الإتفاق على أنه السبيل الوحيد من أجل توفير الكهرباء والخدمات في الأردن، خصوصاً بعد توقف الغاز المصري بسبب قطع الإرهابيين لأنابيب الغاز التي تمر عبر سيناء. وبالتالي: من الممكن أننا سنشهد صمتاً عميقاً في الأردن حول هذا الأمر، فالواضح أن التحركات هناك لم تكن من القوة بما يكفي لوقف العمل بإتفاقية الغاز ما بين الأردن وكيان العدو.

وفي مصر، علت الأصوات حول الإحتيال الذي وقعت تحته مصر بسبب توقيعها اتفاقية استيراد الغاز من الكيان الاسرائيلي بعد أن كانت تصدر الغاز إليه، خاصة أن الكيان يقوم بسرقة أربع آبار من الغاز المصري ومن ثم يبيع إنتاجها لمصر ضمن الإتفاقية التي وقعت في أواخر العام الماضي. بموجب الاتفاقية ستقوم مصر بشراء الغاز المصري المسروق منها من كيان العدو ومن ثم سيتم بيعه كغاز مسال ويتم شحنه عبر البواخر إلى أوروبا. وهذا ما يؤكده رئيس القسم الإقتصادي في جريدة "العربي الجديد" مصطفى عبد السلام. وقد تم التغاضي عن هذه السرقات لصالح العلاقات التجارية مع كيان العدو والتي تمت من خلال ثلاث شركات خاصة واحدة مصرية وأخرى اسرائيلية وثالثة أميركية. ولم تجر الإتفاقيات مع الكيان إلا بعد أن رفعت الأخيرة قضية ضد مصر من أجل المطالبة بالتعويضات نتيجة لتوقف الغاز المصري إليها عبر أنابيب سيناء. وكان شراء مصر للغاز هو جزء من التسوية في هذه القضية.

وإذا كانت الذريعة هي أن مصر والأردن قد "اضطرا" لتوقيع الإتفاقيات مع كيان العدو بسبب قطع الإرهابيين لأنابيب الغاز في سيناء، فهل كان هذا هو الفخ الذي رسم لتقع فيه البلدان من أجل توقيع اتفاقيات الغاز وبالتالي التأسيس لمنتدى شرق المتوسط للغاز الذي يضم الكيان الاسرائيلي كعضو مؤسس؟ وهو الوحيد القادر على سرقة الغاز العربي من لبنان ومصر وفلسطين، والتنصل بفعلته، وذلك بحسب العديد من الدراسات والمقالات التي نشرت والتي تؤكد هذه الحقائق.  

اليوم لم يبق سوى لبنان وسوريا خارج منظومة شرق المتوسط، ولن يكون التطبيع كاملاً وشاملاً في المنطقة مع الكيان الصهيوني إلا بدخول هاتين الدولتين ضمن المنتدى الجديد. اذ يبدو أن العرب يحثون الخطى نحو إقامة المشاريع الإقتصادية مع هذا الكيان. ويبدو أن هذا المنتدى سيكون بداية لصراع جديد بين الكيان الاسرائيلي وأمريكا بمباركة أوروبية من جهة، وإيران وروسيا من جهة أخرى. إذ إن الهدف من تطوير المنشآت التي يمكن من خلالها تسهيل تصدير الغاز الذي سينتجه شرق المتوسط إلى أوروبا، هو الإستغناء عن الغاز الروسي والإيراني والممر الإستراتيجي السوري خلال السنوات الخمس القادمة.