نقاط على الحروف

السياسي السفيه..

439 قراءة | 11:08

محمد يونس

"اكذب، اكذب، حتى يصدقك الناس" مقولة نسبت إلى وزير الدعاية الألمانية في عهد هتلر جوزيف غوبلز، بسبب مهارته في بث ونشر الدعاية النازية في أوساط جمهوره وأعدائه على حد سواء، هذه المقولة التي يحاول الجميع التبرؤ منها ووضع مسافة بينهم وبينها تكاد تكون أبرز سياسة ينتهجها أصحاب السلطة في العصر الحديث.

ويستفيد هؤلاء من قاعدة تقول إنك حتى تنجح في بث أكاذيبك عليك أقله مراعاة أمرين اثنين أولا أن تكون محيطا بالحقيقة كاملة، وثانيا أن يكون الطرف المستهدف مفتقدا للوسائل التي تمكنه من الوصول إلى هذه الحقيقة. وقد نجح العديد في انتهاج هذه السياسة والأمثلة كثيرة في هذا المجال ربما أبرزها كذبة وزير الخارجية الأميركية كولن باول أمام مجلس الأمن حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل والتي على أساسها شنت الولايات المتحدة عدوانها على العراق عام 2003.

إلا أن هناك من خطا أكثر من ذلك السير في هذه السياسة غير آبه إلى سرعة وسمه "بالكاذب"، ربما لتجاهله القاعدة الثانية في المعادلة السابقة إذ كان يدلي بأكاذيبه امام من له كل المقومات للوصول إلى الحقيقة، فاكتشف أمره وتنافست وسائل الاعلام على نشر وتعداد أكاذيبه، إنه الرئيس الأميركي الحالي دونالد ترامب الذي يقول عنه هاري ليتمان (مساعد سابق للادعاء العام في الولايات المتحدة وأستاذ القانون في جامعة كاليفورنيا) "لقد قدمت إدارة ترامب البلاد إلى فرقة متنوعة من الكذابين بشكل لم يفعله أحد سابقا، بدءا من الرئيس نفسه أحضرت السنتين الماضيتين إلى الساحة الوطنية مجموعة كبيرة من المخادعين"، مطلقا على عهد ترامب صفة "عهد ضرب قيمة الحقيقة".

وقد عدت له وسائل الاعلام أكثر من 216 كذبة منذ إعلانه الترشح للانتخابات منها أكثر من 110 أكذوبات منذ انتخابه رئيسا للولايات المتحدة منها مثلا إعلانه الفوز في الانتخابات النصفية التي جرت الشهر الماضي في الولايات المتحدة رغم أن الديمقراطيين تمكنوا ولأول مرة منذ تسع سنوات من انتزاع مجلس النواب من الجمهوريين (حزب ترامب) بغالبية واضحة. ومنها ادعائه بأن قوافل المهاجرين تقوم باجتياح الحدود الجنوبية للولايات المتحدة في وقت كان بين هؤلاء المهاجرين وحدود الولايات المتحدة دولة المكسيك بأكملها.

أو عندما ادعى أنه عقد اتفاقات تجارية مع السعودية بقيمة تفوق 400 مليار دولار وان هذه الاتفاقات ستوفر الملايين من فرص العمل في الولايات المتحدة لكن وبعد يومين من الاستفسارات لم يتمكن أحد في البيت الأبيض من تقديم تفاصيل كاملة عن صفقة سلاح بقيمة 110 مليار دولار مع السعودية والتي بالمناسبة تعد جزءا من الـ 400 مليار دولار التي تحدث عنها ترامب، في وقت أوضح جون بايك، مدير موقع (global security) أنه استطاع تحديد فقط 50 مليار دولار من صفقة السلاح هذه معظمها أطلق في عهد الرئيس باراك أوباما.

الفيلسوف هاري فرانكفورت ابتكر مصطلح السياسي السفيه ويشرح بانه تجاوز لمرحلة الكذب، أي أن السياسي لا يهتم للحقيقة من الأساس فهو يعرف أنه يكذب ويعرف أن الجمهور يعرف أنه يكذب لكنه يتفنن في استعراض كذبه ليثير الجمهور لا ليقنعهم بكذبه، ويعتبر فرانكفورت أن ما هو جوهري في عملية "السفاهة" هذه هو اللامبالاة حيال الحقائق، وكيفية سير الأمور.