آراء وتحليلات

السودان والحصار..وإيران

699 قراءة | 10:02

أحمد فؤاد
احتجاجات شعبية هائلة في مدن السودان، ربما تطيح بالنظام الحاكم، لكنها كتبت فصل الختام في قصة البشير، بعنوان الفشل الكامل، ونزعت الجماهير ـ بحركتها الواسعة وامتدادها في المدن السودانية كافة ـ كل شرعية مفترضة عن نظام ظل يجثم على الوطن لعقود طويلة كئيبة، أضاع فيها نصف البلد باتفاق "نيفاشا"، ثم هو يترك البقية تحت سيف عقوبات غربية مستمرة.

في الوقت ذاته، فإن عددًا من الدول الأوروبية بدأت في التبرم علنًا من سياسات الرئيس الأميركي "دونالد ترمب"، وهي ساعية إلى الابتعاد عن سياسته "الخرقاء" بشأن الجمهورية الإسلامية، وتتمنى يوم عودة العلاقات الاقتصادية الكاملة مع إيران، التي نجحت بجدارة في عبور سنوات الحصار، وتملك من الصناعة والتكنولوجيا والموارد ما يسيل لعاب قادة القارة العجوز، تحت ظل حقيقة مفادها أن إيران ستكون أكبر دولة تعاود الانضمام إلى الاقتصاد العالمي، منذ انضمام بلدان شرق أوروبا، بعد انهيار الشيوعية في أوائل التسعينات، وسينجم عن ذلك رواج يتيح فرص أعمال بمئات المليارات من الدولارات للشركات المحلية والأجنبية، ويحدث تحولا جوهريا في الميزان الاقتصادي في المنطقة بالكامل.

القصتان تضعان الحد الفارق بين نظامي حكم، الأول وطني، مجدول بشعبه، منتصر بإيمانه، ولو وقف في وجه العالم، اعتمد على ذاته وعلى إمكانياته الهائلة، ليخرج فائزًا بالشوط، والأهم أن الجميع يسعى لخطب ود طهران بعد سنوات القطيعة، والآخر في الخرطوم، يحكم بمنطق السيطرة والسلاح، فخاصم الأماني الوطنية للناس، وفقد وقود استمراره ونجاحه في آن واحد، فإذا به يظهر عاريًا مع أول هزة في الشارع.

وعلى الرغم من تلاقي المسارات سابقًا، حيث مثلت الجمهورية الإسلامية للخرطوم الداعم والممول والحليف، خلال السنوات السوداء للحصار الغربي الكامل، إلا أن مصالح الطغمة الحاكمة في السودان فضلت الأموال الخليجية والمشروع السعودي، التي تصب صبًا في حسابات خارجية، وتغذي الفساد لدى مسؤولي البلد الفقير، عوضًا عن تعاون إيراني كان يهدف لإنشاء بنية صناعية، تستطيع تجاوز آثار الحصار، وتمثل ثروة وطنية ومكاسب بالجملة، لأجل مصالح الشعب السوداني.

وموّلت طهران منذ 1989 وحتى 2014 برامج التصنيع العسكري السوداني، ووفرت التدريب والمعدات للاستخبارات والقوى العسكرية، وأمدت الجيش السوداني بالسلاح، في مواجهة وضع اسم السودان على لوائح تمويل ورعاية الإرهاب الغربية، والتي عطلت مساعي الحكومة كافة للوصول إلى الأسواق العالمية، ومنعت تمامًا فرص التمويل الخارجي للدولة، وبالتالي شلت القدرة على الإنتاج والتصنيع والتبادل التجاري الطبيعي.

ورغم رفع غالبية العقوبات الأميركية التجارية والاقتصادية والمالية على السودان، في تشرين الأول/أكتوبر 2017، إلا أن الإدارة الأميركية تحتفظ ببقية العقوبات كسيف مسلط على رقاب حكام الخرطوم، فيما لو قررت ـ الإدارة الأميركية ـ أنهم لم يحسنوا التصرف، أو ابتعدوا عن الطريق المرسوم لهم.

وتلا رفع العقوبات الأميركية نشاط غير مسبوق للأموال الخليجية، من بوابة الاستثمار الزراعي في السودان، وهي استثمارات تؤول عوائدها إلى المستثمرين أولًا والأسواق الخليجية ثانيًا، ولا يجني منها المواطن السوداني العادي إلا استنزاف الموارد المستمر والمتسارع، ثم جاءت الطامة مع دخول صندوق النقد الدولي إلى الخرطوم، وبدء لقاءات واجتماعات بين النظام السوداني ومسؤوليه، لمناقشة ما وصف بأنه: "جني ثمار إعادة دمج الاقتصاد السوداني في السوق العالمية". وعلى خطى مصر والأردن والمغرب، كانت الثمار علقمًا، واستفاد الأغنياء بصورة غير مسبوقة من التدفقات المالية، بينما يعاني غالبية الشعب من نير الحاجة، حتى الحاجات الإنسانية الأساسية بات الحصول عليها في الخرطوم عسير المنال.

وبنفس "الروشتة" أو التوصيات، في بقية الدول العربية المنكوبة بصندوق النقد، فقد بادر صندوق النقد في كانون الأول/ ديسمبر2017، أي بعد قرار رفع العقوبات الأميركية بشهرين فقط، إلى طرح ورقة حلول مالية عاجلة للدولة السودانية، أوصى فيها باتباع مجموعة من الإصلاحات الهيكلية، شملت تعويم العملة السودانية "الجنيه"، مع توحيد أسعار تبادل العملات في السوق السودانية، وإلغاء الدعم الحكومي للقمح والطاقة، بالإضافة إلى توسيع القاعدة الضريبية من أجل تحصيل المزيد من الأموال لخزانة الدولة، وأخيرًا تقليص نسبة ما يتقاضاه موظفو الدولة إلى إجمالي الموازنة العامة، ما يعني تسريح مئات آلاف الموظفين.

التطبيق المتعجل للشروط الدولية، مع فقدان السودان للاستقرار الاقتصادي والمالي، ووضعه الذي لم يتعاف من فقدان بترول الجنوب في 2005، دمر البقية من عناصر الاستمرار للنظام الحاكم في توفير الحاجات اليومية للمواطن، ومع تراجع قياسي في سعر صرف الجنيه السوداني أمام الدولار الأميركي من 47 جنيهاً للدولار في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، إلى 72 جنيهاً للدولار حاليًا، وانفلات التضخم ليحقق نسبًا قدرتها بعض المصادر المتابعة بنحو 70%، في ظل ثبات الأجور، ويبلغ متوسط الرواتب في السودان نحو 1600 جنيه فقط.

الغريب أن مؤسسات التمويل الدولية لم تخفِ حقيقة أن السودان غير مؤهل، بوضعه المالي الكارثي الحالي للاقتراض منها، وإذًا فهي شروط إذعان بلا مقابل، سوى شهادات تمنح بصلاحية البلد للسداد، وبالتالي الاقتراض من أسواق المال العالمية، وبالطبع بفوائد باهظة، وشروط مجحفة، وهو ما كشفه البنك الدولي في تقريره، المنشور في نيسان/إبريل الماضي، وأعلن أن السودان ما يزال يعاني من ضغوط الديون الخارجية التي بلغت 54 مليار دولار، منها 85% متأخرات، وتضم قائمة دائني السودان مؤسسات متعددة الأطراف بنسبة 15%، ونادي باريس 37%، بجانب 36% لأطراف أخرى، و 14% للقطاع الخاص، وبشكل عام فإن نسب الديون الخارجية بلغت 166% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مؤشر خطير على قدرة السداد مستقبلًا.

مسايرة صندوق النقد الدولي جلبت للنظام السوداني أسوأ كوابيسه، فقد توحدت القوى الفاعلة فجأة، وبدأت المظاهرات العفوية في اجتياح شوارع الخرطوم، ثم انتقلت تباعًا إلى باقي مدن السودان، بعد عقود من سيطرة "البشير" على الحكم، وعلى الشارع السياسي في آن واحد، بمصادرة المقدس "الدين" لصالح شرعيته "السلطة"، وبالتالي كنست الجماهير في خروجها المذهل والعبقري كل محاولات الاتجار التي يتقنها البشير، وتتجلى أكثر ما تتجلى في تحالفاته الخارجية، التي ينقلها إلى حيث يلمح بريق الذهب والمصلحة.

الخروج السوداني في رفعه لشعار الكرامة قبل الخبز ربط ـ في عبقرية ـ بين التورط النظامي في حرب اليمن، وافتقاد مقومات الحياة الإنسانية، في أبسط صورها "الخبز"، وأثبت أن الرهان على الشارع العربي هو مفتاح النصر والأمل، وأن الشارع قادر على ترجمة آماله وتطلعات أمته كلها في غمضة عين.

ولكي لا نقفز على الحوادث، فإن الانتفاضة المشتعلة في مدن السودان لا تزال في مرحلة التشكل والصقل، كمثل طائر صغير لا يبتعد عن عشه، يحتمي بظلال الأغصان الكثيف، في وجه عواصف شتوية هوجاء، ينتظر أن تبلور تحركاته في الشارع كوادر وأفكاراً، ومع ابتعاد الخرطوم عن المركز العربي، وتمثيلها للأطراف، سواء أطراف النظام العالمي، أو طرف العالم العربي، فإن الأمور فيها سائرة على مهل، لكن بثبات.