نقاط على الحروف

صراعات أميركا اللاتينية.. ورواية غابرييل غارسيا ماركيز

446 قراءة | 10:20

محمود ريا
ما تشهده أميركا اللاتينية من صراعات هذه الأيام ليس أمراً جديداً، ولا هو نتيجة لغطرسة رئيس أميركي مهووس يحكم الولايات المتحدة الآن، ويوزع شروره على أربع أقطار الأرض، وإنما هو نهج قديم متواصل، بدأ منذ قيام إمبراطورية الشر الأميركية، وسيبقى قائماً حتى تدميرها.

قراءة التاريخ كلها فائدة، فمنها تستنبط الدروس وتؤخذ العِبّر، ومن خلالها يمكن توقع مسارات الأمور في الحاضر والمستقبل.

أما قراءة رواية تاريخية، أو رواية مكتوبة على أساس تقرير وصفي لرحلة حقيقية، فتجعل من الأمر متعة، إلى جانب الفائدة، وكيف إذا كانت الرواية مكتوبة بقلم الروائي الكولومبي الشهير غابرييل غارسيا ماركيز، صاحب الباع الطويل في تجسيد الأفكار وتحويلها إلى وقائع تمشي على الأرض؟

يمكن الحديث باستفاضة عن رواية: "مهمة سريّة في تشيلي" التي كتبها الروائي الشهير أواسط ثمانينات القرن الماضي، وتُرجمت إلى اللغة العربية من قبل الدكتور هاشم حمادي، ومن منشورات دار مجلة الثقافة في دمشق، كما يمكن اختصارها بأنها تصوير لرحلة عودة سرية قام بها مخرج شهير من تشيلي، يدعى ميغيل ليتين، منفي من بلده بسبب إجرام حكم الديكتاتور أوغيستو بينوشيه، حيث يقوم بتصوير فيلم سينمائي تحت لافتة البرامج الترويجية. وفي الفيلم الذي صوّر بالحيلة وتحت خطر الانكشاف، وبالتالي التعرض للعقاب الشديد، يظهّر ليتين الأوضاع المأساوية التي يعيشها الشعب في تشيلي تحت حكم المجرم بينوشيه الذي كان أداة أميركية لقلب حكم الرئيس الشرعي المنتخب من الشعب سيلفادور الليندي، هذا الرئيس الذي كان شعبه يحبه لأنه أعاد خيرات البلاد إلى أهلها بعد أن كانت نهباً للمطامع الأميركية، والذي قُتل على بوابة القصر الرئاسي وهو يدافع عن شرعيته وعن شعبه وعن بلاده.

الرواية جميلة جداً ومؤثرة جداً، وواقعية جداً، لأنها تشبه الفيلم الوثائقي الذي يعرض مراحل تصوير الفيلم الأساسي، ولكن تصوير هذا الفيلم لم يتمّ بكاميرا أخرى، ولكن بكلمات جميلة وتعابير عميقة يستخدمها واحد من أهم الروائيين في العصر الحديث.

ما أعاد هذه الرواية إلى الأذهان هو ما يحصل الآن في فنزويلا من محاولات أميركية محمومة للانقلاب على الرئيس الشرعي المنتخب من الشعب نيكولاس مادورو، والعمل على إحلال الدمى الأميركية الطيّعة مكانه، من أجل ابتلاع الثروات النفطية والمنجمية التي تزخر بها فنزويلا، تماما كما يحصل في بلاد أميركا اللاتينية الأخرى.

"هذا الفيلم يقوم في أساسه على دراما من واقع الحياة، في منتهى الخطر والجدية، وتمسّنا جميعاً" هكذا يصف غابرييل غارسيا ماركيز الفيلم، على لسان مخرجه ميغيل ليتين، ليؤكد أن ما يرويه ليس خيالاً جامحاً أو تهيؤات معارِض يهدف إلى المسّ بشخص رئيس دولة، وإنما هو سرد شديد الدقة لما يحصل على الأرض من انتهاكات لحقوق الإنسان ومن قمع وقتل وإخفاء وجرائم أخرى يقوم بها النظام التشيلي المتأمرك، مقابل المقاومة والصمود والإخلاص للمبادئ واستذكار مآثر الرئيس الشرعي المقتول الليندي من قبل الجماهير الشعبية التي كانت تتحدث بصدق وصراحة ودون خوف للمخرج ليتين.

"كلما ازداد اقترابنا من مركز المدينة تناقصت حماستي في تأمل مظاهر الفخفخة التي كانت الديكتاتورية تحاول استغلالها بغية محو الآثار الدامية لجرائمها، وذكرى أكثر من 40 ألف شهيد وألفي مفقود ومليون منفي". هذه هي الجملة التي يبدأ فيها غابرييل غارسيا وصفه للواقع، على لسان المخرج، وهي جملة مفتاحية تضع القارئ أمام الحقيقة المرّة التي تحاول وسائل الإعلام الأميركية إخفاءها عندما تتحدث عن الأنظمة العميلة لواشنطن: تحاول إشاعة صورة متخمة بالعصرنة والرخاء والحرية والانفتاح، وذلك لإخفاء الواقع الأسود والمرير الذي يعيشه الناس على الأرض، وهم يعانون من الطغمة الحاكمة بأمر أمريكا وبالتعاون معها للتحكم بخيرات البلاد وسلبها مقدراتها.

الرواية غنية بالصور الدالّة على الإرهاب الذي عاشه الشعب في تشيلي في تلك الفترة، والتي تتحدث عن الجثث المشوّهة التي تطوف على مياه نهر "مابوتشو" الذي يخترق العاصمة سانتياغو، نتيجة الغارات الليلية التي تشنّها قوى القمع في الأحياء الفقيرة، والتي يختفي بعدها العشرات من المواطنين، وعن الجياع الذين ينتشرون على ضفاف النهر بحثاً عن النفايات التي يتقاسمونها مع الكلاب وطيور الجِيَف.

"ذلكم هو الجانب الآخر من (المعجزة التشيلية) التي تجري تحت إشراف الديكتاتورية الحربية، وبمباركة (مدرسة شيكاغو)" كما يقول غابرييل غارسيا مركيز في توصيفه لمحاولات الطغمة الحاكمة المدعومة من الولايات المتحدة تصوير الواقع الاقتصادي في تشيلي بأنه حقق معجزة كبيرة، وفي الحقيقة ما تحقق هو أن الأغنياء ازدادوا غنىً والفقراء ازدادوا فقرا.

هذا هو وضع تشيلي بعد الانقلاب على الحكم الشعبي الذي أنشأه سيلفادور الليندي، وهذا هو وضع دول أميركا اللاتينية التي مرت في التجربة نفسها، وهكذا سيكون وضع فنزويلا في حال نجح المستكبر الأميركي في إسقاط نظامها. إنها وصفة للموت والقتل والدمار، هي صورة لكل دولة يضع هذا المستكبر يده فيها.

على كل حال، بعد عشرات السنوات، بقي سيلفادور الليندي مثلاً أعلى للقادة الشرفاء الذين يحبون شعبهم وشعبهم يحبهم، في حين ذهب بينوشيه وإرهابه وتسلطه إلى مكانه الطبيعي في مزابل التاريخ.

التغطية الإخبارية