خاص العهد

"العهد" تعيد نشر الملف الذي بقي سرياً سنوات: اللحظات الأخيرة التي أودت بغيرشتاين ـ الحلقة الاولى

3234 قراءة | 07:57

إنجاز كبير للمقاومة الإسلامية تكشف "العهد" فصولاً سرية عنه بقيت مكتومة لسنوات.
قصة اللحظات الأخيرة من حياة قائد القوات الصهيونية في لبنان إيرز غيرشتاين الذي أعدمته المقاومة الإسلامية في عملية نوعية يوم الثامن والعشرين من شباط/ فبراير عام 1999 يرويها من عايشها لحظة بلحظة.
إنها أحد فصول الحرب السرية التي دارت خلال الاحتلال الصهيوني للبنان، قدمتها جريدة  "العهد" وهنا الحلقة الأولى منها، وتليها حلقات أخرى في الأيام القادمة.

إيرز غيرشتاين: بطاقة تعريف

* العميد إيرز غيرشتاين من أبرز القادة العسكريين الصهاينة,"ومن أفضل القادة الميدانيين", وبالتحديد في الطوبوغرافيا, وهو أكبر قائد للجيش الاسرائيلي في لبنان.

* شارك في كثير من الاعمال العدوانية على لبنان، ففي العام 1982 كان مساعداً لوزير حرب العدو حينها آرييل شارون, وكان يرى أن الكوماندوس البحري لا يشكل تحدياً كافياً بالنسبة اليه. أغار مراراً على النبطية وقلعة أرنون، وشارك في معركة الشقيف, اضافة الى إغارته على أنفاق الناعمة ..

* تنقل في مناصب عدة، حيث كان قائداً لـ"سييرت غولاني"، أي القوة الخاصة, ثم قائداً للواء غولاني. وفي شهر آذار/مارس 1998 عُيّن خلفاً للعميد إيلي أميتاي في قيادة القوات العسكرية في الجنوب (قائد وحدة الارتباط).

* بعد توليه منصب قائد لواء غولاني بشهرين تلقى لواؤه ضربة شديدة، اذ سقط سبعة قتلى من جنوده في موقع العيشية، وفي نهاية خدمته من هذا المنصب قُتل خمسة من جنوده أيضاً في وادي السلوقي .

*  أصيبت سيارته بعبوة ناسفة قرب قرية الريحان، حيث نجا من الموت بأعجوبة, لكنه لم ينجُ ظهر الاحد الواقع فيه 28/2/1999 من العبوة الكبيرة التي نسفت سيارته المصفحة وأودت بحياته وثلاثة معه، من بينهم مراسل الاذاعة الاسرائيلية الذي كان برفقته. العبوة كانت قد جهزتها المقاومة الاسلامية عند مفرق سوق الخان ـ كوكبا.         


 
"..إسرائيل يدها طويلة.. فكل هارب سنأتي به أينما كان ونحتزّ  رأسه عاجلاً أم آجلاً, قريباً سنحمل رؤوس الخونة على أيدينا،  نحن دولة لا نترك ثأرنا ولو بعد سنين"..
كانت هذه الكلمات الأخيرة التي وجهها إيرز غيرشتاين قائد وحدة الارتباط في  لبنان, الرجل العسكري الأول  للقوات الإسرائيلية التي تحتل جنوب لبنان أمام جمع من عناصر الميليشيات التابعة لـ"إسرائيل" في بلدة شبعا ." انتهت المقدمة"..


 حصل ذلك في آخر أيام شهر شباط / فبراير الباردة, مع أنه كان صباحاً دافئاً على غير عادته الشتوية, كتلك الألسنة التي راحت تتناقل همساً خبر قدومه قبل لحظات  قليلة من دخول موكبه الكبير المؤلف من ثلاث  سيارات  مدنية مصفحة ضد العبوات  والرصاص وشاحنة عسكرية مزودة  بالرشاشات الثقيلة مفرق البلدة.. أطل الموكب  من قلب عاصفة الغبار, كانت الشمس تقترب من الزوال عندما ترجّل الجنرال من سيارته ذات الستائر القاتمة ودخل العمارة المجاورة ليعزي زوجة العميل الأمني في الميليشيات، وثمناً لمقتله  قبضت خلال أقل من خمس دقائق 5000 دولار.
 غادر الجنرال منزل العميل المقتول ووقف ينتظر في منتصف الطريق، "رحت أتأمله بتمعن بعد أن صار الجميع تحت مرمى نظري, كانت سحنته الحنطية  تلمع تحت نور شمس الشتاء الخجولة, وكان يتحرك وسط الجنود بفظاظة, كأن في فمه كلاماً  يستعجل بوحه".
تنهد "مالك" وهو يروي قصة اجتماعه الاخير بإيرز غيرشتاين.
"سرحت قليلاً في الصخب الذي "يتمخطر" تحت شرفتي, ورحت أتأمله بدقة, رأيته يلاحق بطرف إحدى عينيه حشرة طائرة, ويضرب بحذائه التراب منقباً عن أخرى زاحفة كي لا تخفى عنه شاردة أو واردة, ثم يدور برأسه ماسحاً بعيونه مرتفعات تلال كفرشوبا وشبعا, وكأنه يعيد رسم خريطة انتشار القوات الإسرائيلية في تلك المنطقة التي تشكل الطرف الآخر لمرتفعات الجولان السورية المحتلة, وباعتباره المعلم الأول في الجيش الاسرائيلي بالطوبوغرافية في لبنان, إلى جانب شغفه بالحشرات.
 "بطرف عينه الأخرى لمحته ينظر باشمئزاز إلى مسؤولي في الاستخبارات الاسرائيلية "504" الذي كان بدوره مطأطئ الرأس, على غير الصورة التي دفعني فيها لمرافقته في عمله، حيث كان يلتقي  كبار الضباط الاسرائيليين ويأخذ توجيهاته منهم مباشرة من دون مهانة.. كانوا يثقون به, ويهمهم أمره لدرجة انهم أصروا على التعرف الي بصفتي المرافق الشخصي له. تزامن ذلك مع  تولي إيرز غيرشتاين منصبه الجديد في لبنان. عينا مسؤولي لم تلتقِ بعيني الجنرال الذي بدا الملل السريع على وجهه, وبدت وقفته طويلة نسبة لحركته الدائمة في الميدان,  فهو لم يعتد الوقوف إلا في ساحات المعركة في مواجهة عناصر  المقاومة الفلسطينية واللبنانية, شارك في عملية  اجتياح بيروت حين ساعد شارون في  عام 1982، وساهم في حصار مدينة بيروت وكان يشاهد من المرتفعات  المطلة على المدينة ألسنة النار  تتوهج ليلاً.. وشارك في معركة الشقيف وكان يتفاخر بأنه دخلها رغماً عن القوات التي ظلت تدافع عن القلعة حتى النفس الاخير, وأغار على النبطية وأرنون و.. و.. وبينما كانت  هذه الصور تتضارب في رأسي وإذ "برياض الحمرا" المسؤول الأمني لميليشيا العملاء يرجعني بصوته العالي إلى  حيث أقف: "مالك..الجنرال لديه كلمتان للشباب ومن غير المعقول أن يبقى على الطريق, افتح لنا بيتك خمس دقائق فقط".
جمد الدم في عروقي للصاعقة التي نزلت عليّ للتو "في بيتي.. أنا.. يا للثقة العمياء".. قلت في نفسي.. لم أستطع التفوه بكلمة واحدة، فالجمع توجه بأكمله نحو الدرج بينما كنت أصرف عائلتي الصغيرة "زوجتي وطفلي" إلى فوق حيث يسكن أهلي, وشرّعت الأبواب للقادمين.. عشرون عسكرياً يعملون في الاستخبارات الإسرائيلية, وضباط أمنيون من أصحاب النجوم المتراصة على الكتفين, التي تعودت رؤيتها في الآونة الاخيرة, وافتقدت من بين الوجوه وجه "دورون"، أول  ضابط  استخبارات اسرائيلي التقيت به في مستعمرة المطلة قبل أن يسلّم عهدته إلى خليفته "أبو النمر", "دورون" هذا لم يكن من بين الذين دخلوا منزلي الصغير,  فغيرشتاين لا يغفر لمن يفشل في الأمن ولو مرة واحدة، وقضية فرار العميل المزدوج رجا ورد إلى خارج سلطة الاحتلال لم تُقفل بعد! ولم ألمح شخصاً بديناً كـ"أبو النمر" الضابط الاسرائيلي الذي لا أنسى فصاحته العربية واتساع ذاكرته للأمثال العربية.. قادة ولكن ليس بمستوى الجنرال الذي  مرّ من أمامي. جسده لامس جسدي, لم ينتبه لأنفاسي التي كبتُّ ارتباكتها المفاجئة, فهو واثق بي كل الثقة.. رمى جعبته بلا مبالاته المعروفة على شرفتي كدليل على اطمئنانه الى الاجراءات الأمنية ولوجوده في منزلي تحديداً".
يضيف مالك وهو يروي تفاصيل  الدقائق الثلاثين الأخيرة في حياة إيرز غيرشتاين, ثم دخل وجلس هنا على هذا المقعد, وإلى جانبه "رفيق السعيد" الجنرال الصهيوني الذي يتولى مسؤولية ما يسمى بالإدارة المدنية في القطاع الشرقي, وعلى الجهة الثانية التصق به مراسل الإذاعة الإسرائيلية والناطق العسكري الاسرائيلي في المنطقة "ايلان روي"، الذي كان يجهّز له آلة التسجيل على هذه الطاولة  وكأنه يؤرخ لتاريخ هذا  الضابط الكبير المؤهل لتولي  مناصب رفيعة جداً في الجيش الاسرائيلي". وهنا ـ أشار بيده ـ جلس منير الشوفي ضابط عمليات فوج 30 في الميليشيات".

قبل أن يستريح الجميع من عناء الجولة أرسل نديم أبو رافع قائد منطقة حاصبيا بفوج 30 "محمد زين" مسؤول ميليشيا العملاء في المنطقة لشراء "الضيافة", فحال التوتر التي يعيشها العملاء نتيجة ضربات المقاومة الاسلامية  التي زعزعت تركيبة جيش العملاء  وخرقت أجهزته الامنية, كانت تحتاج لعصير ينعشهم, وشحنات من المعنويات تقوي عزيمتهم.. راح يطلقها الجنرال مستغلاً الوقت المتقطع كعادته, مستمتعاً بعرض إنجازاته ضد حزب الله, "وإن اقتصرت على "عبوة الكفور" التي أدت إلى استشهاد خمسة مقاومين", فبدا متباهياً بإنجازه العظيم الذي سيساهم كما وعد بتفكيك حزب الله!..  
 قال: إن سلامة "جيش الدفاع الاسرائيلي" والقيادة الشمالية تقوم على ضرب حزب الله في كل مكان يوجد فيه, "ثم أكمل ساخراً": وهذا ما جرى لهم في هذه العملية ـ عملية الكفور ـ  لقد أصبناهم بصورة مؤكدة, نحن نرى أن لدينا قدرة استخبارية كبيرة للوصول إليهم, إن استخدام العبوات يهدف الى مساعدتنا في توجيه ضربات محلية لحزب الله متى نشاء ونقرر.. وأعود إلى ما قلته من قبل، إننا نقصد ضرب المسؤولين عن "العمليات التخريبية" من حزب الله الذين يصورونه في البلاد أحياناً منظمة كبيرة.. ففيها مقاتلون كثيرون وهذا ليس سراً عند النجاح في ضربهم".
كان إيرز غيرشتاين معتاداً على سرد إنجازاته العسكرية, كان يقدّم نفسه كبطل في حروبه ضد المقاومة, ولم يتردد في أحاديثه الخاصة أمام زملائه الضباط في الكشف عن دوره في هجوم القوات  الخاصة على المقر العسكري للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ـ القيادة العامة في منطقة الناعمة ـ الدامور  ليغتال أحمد جبريل, حين كان قائداً للواء غولاني وكان رأس الحربة, بدأت العملية بإنزال عناصر النخبة مع كلاب مفخخة مدربة على دخول الانفاق. وكان ضباط الاستخبارات العسكرية الاسرائيلية ومن بينهم إيرز يعتقدون أن اغتيال أحمد جبريل بهذه الطريقة يشكل انجازاً كبيراً لهم، إلا ان صور الكلاب المقتولة على صفحات جرائد بيروت التي صدرت في اليوم التالي أثبتت من دون أدنى شك فشل العملية الذكية.
كان يقول: كلما ازدادت الفوضى تزداد الشكاوى من الشرطة العسكرية, فهذا حسن وكان القادة يربتون على كتفه, ويحصل دائماً على أعلى التصفيقات عندما يطلق مواقفه.
وانتقد بشدة ما أسماه بضبط النفس في لبنان بقوله: إن دم الجنود ليس أقل احمراراً من دماء المدنيين.  
" العيون كلها موجهة إليه".. حمل كوبه الممتلىء بمشروب غازي وارتشف منه نترات الأسيد ثم رشق بيده الأخرى حبيبات المكسرات في فمه وراح يطقطق الفستق الحلبي وبزر الياقطين الأبيض تحت أسنانه اللامعة.. والكل ينظر اليه بصمت متأملين تفاصيل وجهه الأربعيني الذي خطته المناصب التي ارتقى فيها من قائد لـ"سييرت غولاني" أي القوة الخاصة, إلى قائد للواء غولاني, إلى أن جاء آذار/مارس العام 1998 ليعّين خلفاً للعميد إيلي أميتاي الذي عُزل من منصبه بعد فشله الأمني وتيقن قيادة الجيش الاسرائيلي بأن المقاومة الاسلامية تمكنت من اختراق جميع تدابيره الامنية والوصول الى جميع العملاء الذين قام بتجنيدهم، وسلمت قيادة القوات العسكرية في الجنوب الى غيرشتاين الذي تفوق على  مدربيه بخبراته الكبيرة ضد ما أسموه العمليات التخريبية، وهو  المصنف لديهم بأفضل القادة الميدانيين وأكبر قائد للجيش الاسرائيلي في لبنان، ليكون بثقة الجميع "الصهاينة" "قائد وحدة الارتباط".  
لا سلام!

كان مالك يروي من دون توقف أو تعب ما جرى في منزله قبل وقت قصير من مقتل إيرز في عبوة  ناسفة وضعتها له المقاومة على طريق موكبه في كوكبا.. لم يأتِ على ذكر كلمة سلام خلافاً لذويه، حيث أذكر اننا عندما كنا نذهب إلى إيلات أو طابا وحيفا والنقب وصفد سنوياً لحضور الاجتماعات الامنية السرية وتوزيع المهمات أو تلقي التدريبات برعاية "أوري لوبراني"، الذي كان  يجتمع بنا مرة في كل سنة, ليلقي كلمته المفعمة بـ"السلام", كان يدخل حاملاً بيده غصن الزيتون  قائلاً: "أنتم سفراء السلام والوسطاء بيننا وبين الدولة اللبنانية".
  عدّل الجنرال جلسته ونفخ صدره ليصبح عارماً بتهديداته الممزوجة بالبر والإحسان لأشلاء العملاء المتبقية من العديد الذي فرّ مؤخراً, كان وقع كلماته قاسياً، حيث انتبه رفيق السعيد لأقارب العملاء الفارين فهمس له لتلطيف الأجواء بعيداً عن إثارة الحساسية وشحن نفوس ما تبقى من الجنود المتعاملين.. إلا أن إيرز بقي على موقفه كعادته، فهو حين يتكلم يهبط الصمت على قادة الألوية والضباط في الاجتماعات مترقبين ما يخبئ لهم في كل مرة, وهو الذي لم يخيّب ظن العدو أبداً، فتصريحاته العلنية في المداولات الداخلية  كانت تصبح عناوين, وهو الذي لم يراعِ مشاعر الأمهات حين هاجم بشدة في أيار/ مايو الفائت منظمة الأمهات الأربع "لأنها تؤثر سلباً على الميدان وتشكل خطراً على الجنود وعلى حياته كقائد", فكيف سيراعي مشاعر عملائه! وهذا ما أثّر بإخوة العملاء  الموجودين ودفعهم  للهرب في ما بعد ليلحقوا بإخوتهم الفارين..
يسحب مالك نفساً من سيجارته ويضيف: بعد أكثر من نصف ساعة غادر الجنرال منزلي مع حاشيته, كان الهاتف إلى جانبي  فخالجني شعور غريب بتحمل المسؤولية والخوف من الآتي في آن معاً، وكان انتظاري لخبر ما تمتزج فيه الرهبة بالتحدي، حتى أنني تمنيت لحظة لو أنه يموت بعد يوم أو يومين..
كان قلبي يدق على دقات عقارب  الساعة التي أشارت إلى الحادية عشرة وخمسين دقيقة, عندها ناداني أخي الذي يسكن فوقي أن "افتح التلفزيون" صائحاً: "شوف شو صار باللي كانوا عندك", حاولت قطع أنفاسي لأسمع الخبر الذي كانت تبثه إحدى  القنوات العربية الفضائية: "لقي الجنرال إيرز غيرشتاين ضابط الارتباط الإسرائيلي في لبنان  الجنوبي مصرعه في جنوب لبنان على طريق مرجعيون ـ حاصبيا   في عملية انفجار عبوة ناسفة  فجرها مقاتلو حزب الله , ويعد غيرشتاين العسكري الأعلى رتبة الذي يُقتل على يد حزب الله... وقُتل معه ثلاثة من مرافقيه من بينهم مراسل الاذاعة الاسرائيلية".
 رافقني الذهول والصمت, ورحت أقلّب بين الشاشات علّني أسمع ما يكذب الخبر، فربما كنت أحلم, أيمكن لكل هذه الخطب الرنانة أن  تتبخر وتذهب سدى بلا كلمة وداع حتى.
بعد سماع نبأ مصرعه تظاهر العشرات من المستوطنين الصهاينة  احتجاجاً وغضباً على مقتله أمام مقر ما سُمي بوزير الحرب، وأحرقوا إطارات مطاطية  ورفعوا لافتات كتبوا عليها :
" أوقفوا الاحتلال الأحمق", "من الغباء البقاء في لبنان",  "إنه لبنان يا أغبياء".
 عندها تذكرت آخر كلمة قالها قبل أن يغادر منزلي  متوجهاً  الى مرجعيون "إن حزب الله  يُحتضر".. وقطع لحظة تأملي  الاتصال الذي وردني، فإذا على الجانب الآخر صوت اعتدت عليه يهتف بثقة: "مبروك".

يعلمون بكل شيء
 قال أحد المحللين الصهاينة في خلال  لقاء أجراه معه تلفزيون العدو على الهواء: "إن عليه أن يقول  من جراء هذا كله إنه كان هناك  تخطيط مسبق لـ"الاعتداء" على العميد إيرز غيرشتاين  بالذات, أي أنه لم يكن مصادفة، بل كانوا يقصدونه ويتحرون عنه, وذلك لأنهم يبثون طيلة الوقت سيرة حياته, فمنذ البث الأول في تلفزيون المنار بعد الظهر تحدثوا حوالى ثلث ساعة عن حياة غيرشتاين ضمن مادة أرشيفية وثائقية, وهذا طبعاً ليس عملاً سهلاً يمكن القيام به خلال يوم، بل يتعلق بأحداث مختلفة وجولات قام بها خلال عمله طيلة عام منذ توليه مهمته، بما في ذلك مواد يسجلونها عن التلفزيون الاسرائيلي الذي يبثها واستناداً الى معلومات حزب الله.. والأهم من ذلك هو أن العملية نفذت داخل "منطقة الحزام  الامني" الواقعة تحت السيطرة الاسرائيلية، ونحن نعرف أن حزب الله يملك وسائل استخبارية ومخبرين داخل هذه المنطقة، وهي العناصر التي  تقوم بجمع هذه المعلومات الاستخبارية وتنقلها لقيادات حزب الله في جنوب لبنان، وبناءً عليها يخططون للقيام بعملياتهم هذه..
 
في الحلقة المقبلة: من هو مالك السعيدي؟
كيف اخترق ميليشيا العملاء وتمكن من كسب ثقة الضباط الصهاينة؟
معلومات تنشر لأول مرة
استخدم جهاز كشف الكذب لأول مرة في دوائر الشرطة عام 1924، هو جهاز تقليدي اسمه العلمي "البوليجراف"، أي تعدد الكتابات، وهذا ما يوضحه من خلال تبيان عدد من الخطوط المتعرجة على ورقة، ويقوم هذا الجهاز بمراقبة الإشارات "الفزيولوجية" كالتنفس وتصبب العرق وخفقان القلب، كما يتطلب في استخدامه وجود خبراء ذوي كفاءة عالية.
أما كيفية استخدام آلة كشف الكذب فتتم كالتالي: يجلس الشخص ـ المحقَّق معه ـ على كرسي، ويُربط حزامان مطاطيان حول صدره وبطنه لقياس نمط تنفسه كما توضع آلة لقياس ضغط الدم على ذراعه، وتوصل أصابعه بقطعة معدنية لقياس نشاط غدد العرق، ثم يبدأ الاختبار بتوجيه أسئلة بسيطة للحصول على معيار للإشارات المسجلة منه على البوليغراف، ثم توجه إليه الأسئلة الحقيقية ليجيب عنها بنعم أو لا، فيما جميع إشارات جسمه تُرسم على ورقة متحركة.
قبيل وبعد الاختبار يمكن رؤية الرسوم البيانية على الورقة المتحركة لملاحظة ما إذا كان هناك تغير مفاجئ وكبير في الإشارات، كسرعة ضربات القلب، أو ارتفاع ضغط الدم، أو زيادة التعرق، أو غيرها عند الإجابة عن سؤال معين.
يقول "ستيف افترجود" الباحث المسؤول عن اتحاد العلماء الأميركيين:إن جهاز كشف الكذب ليس سوى خدعة، وبالإمكان تضليله بسهولة وذلك بتحريك القدمين أو الاكتاف مع أية إجابة تضليلية على أسئلة المحقق، وعبر التفكير المستمر خلال الجلسة بأمور مزعجة تؤدي بالشخص المحقَّق معه الى الضيق والحزن، فلا يعود الجهاز قادراً على التمييز بين قلقه وإجاباته التضليلية.
إعداد:  كابي جعفر