خاص العهد

"الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء في لبنان".. أبرز أدوات مكافحة الفساد ولكن؟

302 قراءة | 12:39

فاطمة سلامة

"فعل المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء في لبنان فعله، وسيق الذين سرقوا ونهبوا الشعب اللبناني الى السجن. هناك سيقضون الكثير من سني عمرهم، بجرم إيصال المواطنين الى ما هم عليه في الدرك الأسفل من الفقر والعوز والمديونية. هناك لا مكان للتنعم بأموال الشعب المسروقة. لا مكان لـ"البريستيج" ولوازمه، فالجميع متساو أمام قوس العدالة. ومن كان يمارس السطوة والسلطة، ها هو رهينة القضبان، يتلو فعل الندامة ربما على سجل أسود لم يكن فيه على حسن ظن الشعب الذين حمّله أمانته". 

للأسف، ما سبق لا يمت للواقع بصلة. ما سبق يكاد يكون حلماً يراود كل لبناني. إنّه مشهد يطرق مخيّلة الكثير منا مذ اشتدّت الحملة على الفساد والفاسدين. يُحدّث البعض نفسه بالقول: "معقول يجي يوم شوف فيه رئيس أو وزير لبناني بالحبس؟". لا يخجل بالسؤال، تراه يُردّده عالياً، ليتبعه بسؤال آخر "اذا تحقق هذا الأمر، بدي آمن هالمرة بلبنان". تُراوده أفكار أخرى "هالشي صعب وصعب كتير طالما الطائفية متجذّرة في هذا البلد". 

هذه التمنيات الشعبية التي كانت مستحيلة في عقود خلت، تأتي في غمرة الحديث عن الفساد والفاسدين من كل حدب وصوب، خصوصاً وسط تصميم وإصرار من حزب الله على متابعة هذه المعركة حتى النهاية. يُسانده في ذلك البعض، فيلاقيه عند منتصف الطريق. البداية مع تجهيز الأرضية؛ المطلوب محاكمة كل متورط في لعبة الفساد من رأس الهرم الى أسفله، ما يستلزم تجهيز الأرضية لذلك عبر إعادة "هيكلة" المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، المجلس الذي أثبتت التجارب السابقة معه أن لا فرق بين وجوده من عدمه. والدليل، عدم تمكنه على مدى حوالي ثلاثين عاماً من محاكمة أي رئيس أو وزير في تاريخ لبنان. هذا لا يعني أنّ الجميع "نظيفو الكف"، بل الجميع تعلوه ريشة ومظلة سياسية تمنع محاكمته، وتُحوّل القضايا الشخصية الى طائفية. في هذا الصدد، نذكر الجلسة البرلمانية التي عقدها مجلس النواب عام 2003 للتصويت على تشكيل لجنة تحقيق نيابية في مضمون العريضتين الاتهاميتين بحق رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة في ما يتعلق بملف محرقة برج حمود، ووزير النفط السابق شاهي برصوميان في ملف الرواسب النفطية، ليخرج بعدها الرجل المتورط مثل "الشعرة من العجينة". ويُذكر أن تورط السنيورة في هذا الملف كان قد فتح أواخر التسعينات، وبالتحديد إبان حكومة الرئيس سليم الحص، لتسقط فيما بعد محكمة "التمييز" الملاحقة عن السنيورة. 

اليوم، يدعو رئيس مجلس النواب الى جلسة برلمانية لانتخاب المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء الأسبوع المقبل. بالنسبة اليه سيمارس هذا المجلس دوره الرقابي بأقصى الدرجات، فما قبل جلسة الثقة شيء وما بعدها شيء آخر". فممّ يتألف هذا المجلس؟ وهل الظروف الحالية اختلفت ليؤتي المجلس أكله؟. 

الساحلي: لتعديل القانون

النائب السابق عن كتلة الوفاء للمقاومة نوار الساحلي الذي كان عضواً رديفاً في المجلس الماضي، يُشدّد على أنّه عندما نريد محاربة الفساد، فيجب أن نُجهّز الهيئة التي ستحاكم المتورطين بالفساد، ولكن هناك مشكلة جوهرية بحسب الساحلي تكمن في أصل القانون وشروطه، فتحريك المجلس لملف أمام المحكمة الخاصة يلزمه ثلثي أعضاء مجلس النواب، بمعنى أن اتهام أي رئيس أو وزير لإحالته الى المحاكمة يحتاج الى تصويت الثلثين. من وجهة نظر المتحدّث يجب تعديل القانون لتسهيل العمل فالإحالة لا تعني الإدانة، بل هي تحقيق ومحاكمة قد يخرج من بعدها الملاحق بريئاً. 

ويؤكّد الساحلي أن الحسابات السياسية حالت دون إحالة أي شخص. فللأسف كل شاردة وواردة في لبنان تتخّذ علامة سياسية وطائفية، فإذا اتهم أياً يكن، تُصوّر القضية على أنّها حرب تستهدف طائفة بعينها. يُطالب الساحلي بضرورة رفع الغطاء السياسي عن أي مرتكب لأن الفساد لا دين له ولا طائفة. 

اسماعيل: لمحاكمة واقعية

الخبير الدستوري الدكتور عصام اسماعيل يسرد تاريخ المجلس الأعلى لمحاكمة الرؤساء والوزراء، فيشير الى أنّ المادة 80 من دستور عام 1926 دعت صراحة الى إنشائه، دون أن يتم وضع قانون تطبيقي له. وفي عام 1989، أدرجت وثيقة الوفاق الوطني بنداً إلزامياً تنص فيه على ضرورة إنشاء المجلس المذكور ضماناً للعيش المشترك، ليبصر القانون 18 النور عام 1990. المجلس ينتخب مع كل ولاية جديدة، ويتكوّن من سبعة نواب أصليين، وثلاثة ردفاء، إضافة إلى ثمانية من أعلى القضاة رتبةً، حسب درجات التسلسل القضائي.

ويُسجل اسماعيل عدة ملاحظات تحول دون وصول الدعوى الى المجلس الأعلى، أو بالأحرى تُعيق عملية الاتهام، إذ منع على هيئة التفتيش المركزي وديوان المحاسبة والنائب العام المالي ونظيره التمييزي الادعاء على أي رئيس أو وزير. وحصر المجلس الادعاء بعريضة تحصل على موافقة خمس النواب أي 26 نائباً. أي ادعاء لا يحصل على العدد المذكور لا يتحرّك بموجبه الملف، وهذا أمر شبه مستحيل، بحسب اسماعيل. يستعرض الخبير الدستوري قصّة الادعاء على السنيورة، والتي قامت حيالها الدنيا ولم تقعد، ورُدّت حينها الملفات على النيابة العامة. أكثر من ذلك، بعدما تغيّرت حكومة الحص وأتت حكومة الحريري تبدلت المعطيات، فادعى نواب تيار "المستقبل" على السنيورة كحيلة لتحريك الملف مجدداً وتبرئته. جرى الادعاء ومارس المستقبليون العراضات، وقدّموا مسرحية هزيلة لطي الملف الى غير رجعة.  

يُشدّد اسماعيل على أنّ تعديل القانون 18 يشكّل الخطوة الوحيدة قبل الحديث عن أي مكافحة للفساد. برأي الخبير الدستوري علينا تسهيل شروط الادعاء والسماح للمدعي العام المالي والتمييزي الادعاء على الرؤساء والوزراء أمام المجلس الأعلى، لننتقل لاحقاً الى مرحلة الاتهام وتُصبح عملية المحاكمة واقعية أكثر.