عهد الأربعين

نقاط على الحروف

فنّ السقوط وحريّة الإساءة: ماذا لو قلبنا المشهد؟

04/12/2021

فنّ السقوط وحريّة الإساءة: ماذا لو قلبنا المشهد؟

ليلى عماشا

أسباب كثيرة قد تقف وراء سقطة صحيفة "الجمهورية" في بؤرة الإساءة العلنية لمعتقدات الناس ومشاعرهم الدينية، والتورط في مخالفة ميثاق الشرف المهني للإعلام في لبنان، ولا سيما المادة الثانية منه والتي تنص على وجوب "احترام الأديان"، وثمّ تمرير اعتذار يحفظ الهامش القانوني ويعيد تركيب قناع الموضوعية حتى وإن اتضح أنّه غير مقنع.

تتراوح هذه الأسباب بين السعي إلى رفع المبيعات عبر "كاريكاتير" يتوخى الإساءة إلى تنفيذ أجندة استفزاز. وما بين هذا وذاك من دوافع تؤدي بمؤسسة "صحفية" إلى سقوط غير لائق، ليس مفاجئًا تورّط الجمهورية كصحيفة حديثة العهد ومحدودة الشهرة بتصرّف كهذا إذ سبقتها مؤسسات تتصف بالعريقة إلى ارتكابات مشابهة، بدوافع مشابهة، وإن بشكل أكثر ذكاء بقليل.

النقاش الآن ليس في حجم الإساءة، ولا حول الاعتذار عنها والذي أورده الموقع الالكتروني الخاص بـ"الجمهورية" ليل أمس بعد نهار من عرض وتداول الإساءة دون أي رادع اخلاقي. والنقاش ليس في طبيعة الإساءة التي ببشاعتها لا تحدّث إلّا عن نفوس مرتكبيها وما حوت، ولا في نوعها، فهذا النوع من الاستهداف بات متكرّرا إلى حدّ مملّ وقد لا يستدعي أي ردّ فعل لقلة حرفية فاعليه، وصغر حجمهم وأوزانهم في ساحات الصراع.

فنّ السقوط وحريّة الإساءة: ماذا لو قلبنا المشهد؟

إلّا أنّ هذه الإساءة مناسبة للتذكير الواجب ببعض البديهيات التي يتجاهلها الإعلام الموظّف لخدمة عوكر، ويظنّ أنّه بالتجاهل يكتسب.

١- حرية التعبير تقترن بالوعي وبالمسؤولية وبطبيعة المحتوى المعبّر عنه. وكلّ محتوى يقوم بالإساءة إلى الآخرين، أفرادًا وجماعات، لا يمكن تقديمه تحت عنوان حرية التعبير، وإلّا لما كان هناك جرائم تدعى القدح والذمّ والتشهير، وكان سيُسمح قانونًا لكلّ فرد أو جماعة بقول ما تشاء من إساءات على قاعدة التعبير الحرّ. من هنا، لا يمكن بأي حال من الأحوال التعامل مع الإساءة كحالة تعبيرية حرّة.

٢- الفن بكل أشكاله هو تعبير عن ارتقاء انساني، وبذلك يلتزم الفنان الحقيقي بمعايير دقيقة جدًا في كلّ عمل يقدّمه، فلا يكتفي بعدم السقوط بل يسعى إلى إضافة درجات في الارتقاء كي لا يتحوّل فنّه إلى أداة بلا فائدة. وإن كان الرسم الكاريكاتوري هو أحد الفنون، فالقاعدة فيه لا تختلف عنها في كلّ عمل يسمّى فنيًا: الارتقاء هو المعيار، وكل سقوط هو تحويل له كأداة إلى سلاح يسيء إلى مستخدمه بالدرجة الأولى.

٣- في هذه المرحلة التي تستهدف فيها الولايات المتحدة الأميركية وسائر أدواتها وحلفائها وعبيدها كلّ ما يمت إلى معتقدات الشيعة بصلة، لا يمكن اعتبار الكاريكاتير المسيء للإمام السيد علي الخامنئي إلا جزءًا من الحملات المدفوعة سلفًا في إطار هذا الاستهداف العدواني، سواء علم مرتكبه بذلك أو من فرط سذاجته سمّاه فنًّا أو حريّة تعبير.

وبناء على ما تقدّم، أساءت صحيفة "الجمهورية" بكاريكاتيرها إلى نفسها أولًا كمؤسسة صحفية، إذ خرقت قواعد الشرف المهني واحترام المعتقدات، وقدمت مادة تهدف إلى استفزاز الناس تحت مسمى "الفن" فأساءت بذلك إلى مفهوم الفن نفسه، بما يستدعي إسقاط صفة "الفنان" عن الفاعل وكذلك صفة "الإعلامي" عمّن سمح بالنشر، حرصًا على سلامة المفاهيم العالية التي من المفترض أنها تقترن بتوصيفات كالفنان والإعلامي.

ببساطة شديدة، ولمن يجد في المشهد بعدًا تعبيريًا حرًا وجب احترامه أو على الأقل تجاهله، يمكن فقط تخيّل ردود الفعل لو أن الرسم المسيء استهدف طائفة غير الطائفة الشيعية أو رمزًا غير الإمام الخامنئي أو دولة غير الجمهورية الإسلامية في إيران. المثال ما زال طازجًا، عليكم بجولة حول ردود الفعل على رأي خاص وموضوعي قاله وزير الإعلام اللبناني حول الحرب على اليمن. عندها فقط، يمكنكم فهم حجم الضرر الذي تتسبب به ازدواجية المعايير على عقول أصحابها ومفاهيمهم.

الكاريكاتير لم يسىء للإمام الخامنئي وإن كان هذا الهدف الوحيد من رسمه، بل أساء إلى كلّ من وجد فيه عملًا فنيًا أو وسيلة تعبير حرّة، إذ عرّى هذه الوجوه من أقنعتها وكشف على الملأ حجم الضرر الذي أصاب عقولها ونفوسها بحيث أضحت لا تستحي، ولم تستحِ، فسمّت السقوط والابتذال فنًّا وحريّة.

الإعلام والاتصال

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف