آراء وتحليلات

حوار عربي ـ أوروبي على وقع الخلاف الأوروبي ـ الأمريكي

303 قراءة | 09:24

سركيس أبوزيد

في مدينة شرم الشيخ المصرية عُقدت أعمال القمة العربية ـ الأوروبية الأولى من نوعھا، بحضور رفيع المستوى من ملوك ورؤساء دول وحكومات ووزراء في 50 دولة من  الطرفين العربي والأوروبي، وهي تتوّج مسيرة حوار وتعاون بين العرب والأوروبيين تمتد لسنوات وعقود، وبنفس الوقت تعكس حاجة مشتركة الى تعميق وتعزيز و"مأسسة" العلاقات، نظرا لحجم التحديات والأزمات "ذات الاھتمام المشترك". وقد ضمت القمة تمثيلاً سياسياً لمجموعتين جارتين من 50 دولة ( 28 أوروبية و 22 عربية).

وشدد البيان الختامي للقمة على الوصول إلى حلول سياسية لأزمات المنطقة بدءا بالنزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، إذ عبر الطرفان عن مواقف مشتركة لجھة التمسك بمسار السلام ووضع القدس واعتبار المستوطنات في الأراضي الفلسطينية المحتلة خروجا عن الشرعية الدولية. وجدد الطرفان تمسكھما بالوصول إلى حل الدولتين كحل واقعي وحيد.

ورداً على الرأي القائل إن المشكلات التي يعاني منھا العالم العربي اليوم: الحرب على سوريا، الوضع في ليبيا والعراق والسودان، الإرھاب، إيران، وبلدان الاتحاد الأوروبي والھجرات المكثفة، (بريكست)، صعود الشعبوية، لا توفر المناخ المناسب لتعزيز التعاون بين المجموعتين، ترد المصادر الأوروبية بتأكيد العكس، لأن الأوضاع المضطربة يجب أن تحفز الجانبين على العمل معاً لمواجھتھا، خصوصا أن ما يصيب الأول ينعكس على الآخر، والعكس صحيح.

بيد أن التوافق على العناوين لا يعني بالضرورة أن الطرفين متفقان على المضامين وعلى السياسات والتفاصيل، أو أن القمة ستوفر قفزة في التعاون بينھما. فالملاحظة الأولى بشأن ھذه القمة تتعلق بالطيف الأميركي المھيمن عليھا، بعدما شكلت السياسة الأميركية في عھد الرئيس دونالد ترامب عاملا دافعا ومسرّعا للتقارب والتحالف العربي ـ الأوروبي.

ويكفي أن قمة شرم الشيخ انعقدت في ذروة التوتر والخلاف بين أوروبا وأميركا، وبعد مؤتمري وارسو وميونيخ اللذين كشفا وأكدا ھذا الخلاف الذي بدأ منذ لحظة وصول الرئيس دونالد ترامب الى البيت الأبيض، وسار في منحى تصاعدي وخرج الى العلن بقوة. وھذا ما كشفه مؤتمر وارسو الذي نظمته واشنطن "ضد إيران ومن أجل" إسرائيل" وسجل "شبه مقاطعة أوروبية"، وما كشفه خصوصا مؤتمر ميونيخ مؤخراً أيضاً، حيث برزت الخلافات على نطاق واسع ورفعت الإدارة الأميركية تمثيلھا في المناسبتين الى مستوى نائب الرئيس مايك بنس بدلا من وزير خارجيتھا مايك بومبيو، لأن إدارة ترامب أرادت استغلال المؤتمرين لشن ھجوم دبلوماسي على شركائھا بسبب ابتعاد مواقفھم عن مواقفھا في كثير من الملفات الأساسية، وتراكم الخلافات بين ضفتي الأطلسي.

وفي ميونيخ أضاف الأميركيون للخلافات بشأن إيران، خلافات إضافية بشأن روسيا وحلف "الناتو"، وخطط الدفاع، مع أن كلمة نائب الرئيس تضمنت تكرارا للمواقف السابقة نفسھا من إيران، وكرر وصفھا بأنھا الراعي الأول للإرھاب في العالم، وطالب بسياسة حازمة ضدھا. وقال بكثير من التبجح:" إن إدارة ترامب أعادت قيادة العالم الى أميركا. وفي حين ھدد إيران بالعقوبات والعزلة، ندد بسياسة الشركاء الأوروبيين المقصّرة في تحمّل نفقات الدفاع والشراكة الأمنية في حلف "الناتو".

كما ندد بسياسة التعاون الاقتصادي بين بعض الدول الأوروبية وروسيا، ودافع عن الانسحاب من المعاھدة النووية للصواريخ النووية المتوسطة المدى مع روسيا، وطالب الشركاء بالاقتداء بسياسة واشنطن الخارجية في كثير من المجالات بعدم التعاون مع روسيا في المجالات الاقتصادية، وقال:"لا يمكننا ضمان الدفاع عن الغرب في حال ازداد اعتماد حلفائنا على الشرق"، وانتقد اتفاقات الأسلحة التي ينوي أعضاء في الأطلسي إبرامھا مع روسيا، وھي إشارة لتركيا. وانتقد قرار فرنسا وألمانيا وبريطانيا السماح للشركات الأوروبية بمواصلة عملياتھا التجارية في إيران، وكسر العقوبات الأميركية.

في المقابل رد ممثلو الدول الأوروبية بقوة على خطاب بنس، فأعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أنھا تتفق مع ترامب في خطر الاتفاق النووي، لكنھا تختلف معه في جدوى الانسحاب منه. وشدد وزير الخارجية الألماني ھايكو ماس على انه:" من دون الاتفاق "لن تكون المنطقة في أمان، بل سنكون أقرب الى احتمال اندلاع مواجھة مفتوحة".  وأكدت فيديركا موغيريني مسؤولة السياسة الخارجية تمسك الاتحاد الأوروبي بالاتفاق النووي مع إيران من أجل أمن أوروبا.

وبينما أكد بنس أن سحب القوات الأميركية من سوريا ھو تعديل في أساليب العمل، لا تغيير في الاستراتجيية، وقال: "إن المھمة في سوريا ستنقل لحلفاء واشنطن، وسيتم دعمھم"، سخرت ميركل من سحب القوات الأميركية من سوريا بينما  يزعم ترامب أنه يريد مواجھة إيران. وقالت إن الإنسحاب يخدم إيران وروسيا. وشارك وزير خارجية فرنسا جان ايف لودريان بالسخرية من ترامب لأنه "يترك سوريا بينما يطالبنا بالبقاء فيھا". ودعت ميركل الرئيس الأميركي الى مخاطبة أوروبا بنبرة أكثر عقلانية في حديثه عن الشراكة معھا، وذكرته بأن أوروبا كانت شريكا وحليفا في مھمة مشتركة، للحفاظ على الأمن الدولي من خلال حلف "الناتو".

من الواضح أن  الخلافات بين حلفاء الأمس تتعمّق وتأخذ بعدا عدائيا خطيرا، لا بسبب نبرة ترامب وبنس كما قالت ميركل، ولكن بسبب تغيّرات جيوسياسية بدأت مع نھاية الحرب الباردة وزوال الخطر، واختلاف المصالح الأمنية والمادية. فالاتحاد الأوروبي يمر بحالة من الضعف والوهن، وانشغال دول عدة وأساسية مثل بريطانيا وفرنسا وإسبانيا بمشاكل داخلية. لذلك فإن أوروبا تتحرك على مسارين: أولھما تعزيز وحدتھا السياسية واستقلاليتھا، وتخفيف التوتر مع روسيا، والمسار الثاني اعتماد أوروبا على قواھا في الدفاع عن نفسھا. ناهيك عن حالة الاضطراب التي ترزح تحتھا المنطقة العربية، ومشاريع التقسيمات الجديدة للشرق الأوسط القديمة ـ الجديدة التي تعمل واشنطن على تنفيذها وبالتالي تمرير "صفقة القرن" لضمان أمن "إسرائيل" والإجهاض على القضية الفلسطينية.

ملاحظة اخيرة: بعض الدول العربية التابعة للسياسة الاميركية ستُربك كلما ازداد الخلاف بين ضفتي المتوسط .