آراء وتحليلات

العالم أمام أزمة قمح وأسمدة خطيرة: هل تغطي الهند النقص؟

26/03/2022

العالم أمام أزمة قمح وأسمدة خطيرة: هل تغطي الهند النقص؟

د. علي دربج ـ باحث ومحاضر جامعي

مع اندلاع المعارك العسكرية بين اوكرانيا وروسيا ـــ وهما من أكبر سلال الخبز في العالم ـــ فإن أسوأ ارتفاع في أسعار الغذاء منذ الركود العظيم، يلوح في الأفق في جميع أنحاء العالم، الأمر الذي قد يؤدي الى تأجيج آفة الجوع، واشتعال الاضطرابات السياسية، في غير دولة، بعيدا عن منطقة المعارك.

ففي السنوات الأخيرة، شهدت أسعار المواد الغذائية ارتفاعًا سريعًا، في مختلف البلدان على امتداد الكرة الأرضية، وسط اضطرابات سلسلة التوريد والتضخم المرتبط بوباء (كورونا). أما حاليًا، فإن بعض الأسعار ـ خصوصًا القمح ـ قد تجاوزت الحدود بسبب الأزمة الأوكرانية، مما أدى إلى تقلب حسابات الإمدادات الغذائية المتاحة في العالم، إضافة الى تقنين استخدامات الطحين في أجزاء من الشرق الأوسط.

وبينما تدق أجراس الإنذار في أرجاء الأرض بسبب أزمة أوكرانيا، لا بد من إلقاء نظرة على مدى عمق الأزمة وتأثيرها على الإمدادات الغذائية العالمية، وما إذا كان يمكن للهند أن تلعب دورًا في التخفيف من آثارها.

فلنبدأ باستعراض الأزمة
 
من المعروف أن كلًّا من روسيا وأوكرانيا تنتج ما يقرب من 30 في المائة من القمح، و17 في المائة من الذرة، وأكثر من نصف صادرات زيت بذور عباد الشمس في جميع أنحاء العالم. غير أن التداعيات الناجمة عن الصراع، فضلًا عن تردي الأوضاع في موانئ البحر الأسود ـ بسبب تعرض سفن الشحن إلى الاستهداف المتبادل ـ وغيرها من المشاكل، كلها عوامل، أدت الى تراجع الصادرات الغذائية الأساسية، الأوكرانية والروسية.

زد على ذلك، أن مقاطعة شركات الشحن الروسية والامتناع عن التعامل مع الموانئ الروسية، والآثار غير المباشرة للعقوبات الغربية، تسببت بتعطيل تدفق الأطعمة والأعلاف من روسيا، مما خلق مشاكل يمكن أن تتفاقم، لا سيما بعد تهديد الكرملين بفرض ضوابط على تصدير بعض السلع الغذائية.

ونتيجة لهذه التطورات، ازدادت أسعار القمح بنسبة 70 في المائة في الشهر الماضي، وبلغت مستوىً  قياسيا بلغ 12.94 دولارا لكل بوشل (البوشل هو اداة قياس اميركية بريطانية، تساوي 27.2188 كيلو جرام). ويعتقد الخبراء أن الوضع على وشك أن يزداد سوءا.

وفي الإطار ذاته، قدّر تقرير صدر مؤخرًا عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (الفاو) أن أسعار الغذاء والأعلاف يمكن أن ترتفع إلى ما يصل إلى 22 في المائة، فوق المستويات المرتفعة بالفعل بسبب "المعارك".

ورغم أن منظمة الأغذية والزراعة، تقول إن البلدان الكبيرة الزراعية ـ أستراليا والأرجنتين والهند والولايات المتحدة ـ يمكن أن تعوض على المدى القصير جزءا من نقص الحبوب من أوكرانيا وروسيا، غير أن ذلك لن يحل المشكلة، نظرًا لتراجع الامدادات، خصوصًا وأن التقييم الأولي للمنظمة، يشير الى أنه بسبب العمليات الحربية، فإن 20 إلى 30 في المائة من محاصيل بذور القمح والذرة وعباد الشمس إما أنها لن تزرع، أو لن يتم حصادها خلال موسم 2022-2023 في أوكرانيا.

ماذا عن ارتفاع أسعار الأسمدة وعلاقتها بالعقوبات؟

في الواقع لا تقتصر الأزمة على السلع الاستراتيجية كالقمح والنفط، عندما يتعلق الأمر بالعقوبات المفروضة على روسيا، فموسكو هي أيضًا، مصدر رئيسي للأسمدة، التي ارتفع سعرها بالفعل.

علميًا، تعدّ روسيا أكبر مصدر للأسمدة في العالم، حيث توفر حوالي 15 في المائة من الإمدادات العالمية. وارتباطًا بالعقوبات، طلبت روسيا هذا الشهر من منتجي الأسمدة لديها وقف الصادرات كون العقوبات صعّبت معاملات  التصدير.

كذلك، أثّرت العقوبات على أقرب حليف لروسيا، بيلاروسيا، المنتج الرئيسي للأسمدة التي أساسها "البوتاس"، وهو أمر بالغ الأهمية للعديد من المحاصيل الرئيسية، بما في ذلك فول الصويا والذرة.

وليس هذا فحسب، إذ ساهم ارتفاع سعر الغاز الطبيعي بتفاقم المشكلة، من حيث حاجة منتجي الأسمدة خارج روسيا وبيلاروسيا إلى الغاز، لصنع منتجات قائمة على النيتروجين مثل اليوريا (نوع من الاسمدة) التي شهدت أسعارها ارتفاعًا قياسيًا وصل الى ما يقارب 1000 دولار للطن المتري، أي حوالي أربعة أضعاف السعر في بداية عام 2021.

وبناء على تلك الوقائع، قفزت أسعار معظم الأسمدة حول العالم، وتخطت أكثر من الضعف أو ثلاثة أضعاف الأسعار خلال العام الماضي، بحيث لم تعد في متناول المزارعين في الغالب. فالبرازيل مثلا ــ أكبر منتج لفول الصويا في العالم ــ التي تشتري ما يقرب من نصف سماد "البوتاس" من روسيا وبيلاروسيا، لديها الآن ثلاثة أشهر فقط من المخزون المتبقي، وتبعا لذلك، أصدرت الرابطة الوطنية لمزارعي فول الصويا تعليمات للأعضاء باستخدام كميات أقل من الأسمدة، إن وجدت، هذا الموسم.

ما هي الإجراءات التي اتخذتها الدول للتخفيف من ازماتها الغذائية؟

تتجه معظم البلدان إلى اتخاذ خطوات وتدابير "الحمائية التجارية" لحماية إمداداتها الغذائية. فإندونيسيا وضعت قيودًا جديدة على صادرات زيت النخيل للتحكم في الأسعار. من جهتها حظرت المجر جميع صادرات الحبوب منذ حوالي عشرة أيام. وفيما صرحت صربيا بأنها ستحظر تصدير القمح والذرة والدقيق وزيت الطهو، فرضت مصر ـــ التي تستورد ما يقرب من 80 في المائة من قمحها من روسيا وأوكرانيا ــ  قيودا على صادرات الحبوب حيث بدأ سعر الخبز المدعوم في الارتفاع بالفعل.

بالإضافة إلى حالة عدم اليقين التي أحدثها "الصراع"، حظرت أوكرانيا أيضًا تصدير اللحوم والجاودار والشوفان والحنطة السوداء والسكر والدُخن(Millets) والملح، وفرضت كذلك، بعض القيود على القمح والذرة. وللغاية ذاتها، من المرجح أن تحظر روسيا مؤقتًا صادرات الحبوب والسكر إلى مجموعة من الدول السوفياتية السابقة.

ومما يزيد الطين بُلة، أن الصين، التي تعتبر أكبر منتج ومستهلك للقمح في العالم، من المتوقع أن تشتري أكثر بكثير مما تشتريه من الأسواق العالمية هذا العام، بعد تسببت الفيضانات الشديدة العام الماضي في تأخير معظم زراعتها.  

ما ارتدادات هذه الأزمة على الدول التي تشهد حروبًا؟

في الواقع، تواجه البلدان المتضررة من النزاعات والحروب، بما في ذلك اليمن وسوريا وجنوب السودان وإثيوبيا وأفغانستان، بالفعل، حالات طوارئ شديدة بسبب الجوع، ويخشى الخبراء أن تتفاقم بسرعة.

في أفغانستان، يحذر عمال الإغاثة من أن الأزمة الإنسانية قد تفاقمت بالفعل بسبب الأزمة الاوكرانية، مما يجعل من الصعب إطعام حوالي 23 مليون أفغاني ـ أكثر من نصف السكان ـ الذين ليس لديهم ما يكفي من الطعام. وفي اليمن حيث الحصار السعودي الظالم، اضطر برنامج الغذاء العالمي التابع للأمم المتحدة إلى قطع إمدادات الحصص الغذائية عن السكان.
 
هل سيؤدي ارتفاع أسعار الغذاء الى حصول مجاعات؟

كشف برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة هذا الشهر، أن عدد الأشخاص الذين هم على حافة المجاعة قفز بين عامي 2019 و 2022  إلى 44 مليونًا، بعدما كان 27 مليونًا، مع وجود 232 مليون شخص إضافي على بعد خطوة واحدة من هذه الفئة، وفقا لديفيد بيزلي، المدير التنفيذي للبرنامج.

ليس هذا فحسب، إذ زادت تكاليف برنامج الغذاء العالمي بالفعل، بمقدار 71 مليون دولار شهريًا، وهو ما سينجم عنه خفض الحصص الغذائية اليومية لـ 3.8 مليون شخص.

وتبعًا لذلك، أشارت الأمم المتحدة الى أن تأثير الصراع على سوق الغذاء العالمي وحده، قد يتسبب في جوع ما بين 7.6 مليون إلى 13.1 مليون شخص.

وفي هذا السياق، كتب بيسلي أن الوكالة التي تقدم مساعدات غذائية طارئة، تدفع بالفعل 30 في المائة للإمدادات ـــ أكثر مما كانت عليه في عام 2019 ـــ أي ما يصل إلى 50 مليون دولار إضافية كل شهر.
وحذر قائلًا: "إذا تعرضت ممرات النقل في البحر الأسود لمزيد من التعطل بسبب هذه الحرب المتنامية، فإن أسعار النقل سترتفع بسرعة كبيرة، وستتضاعف ثلاث مرات".

في المحصلة، هناك رابحون وخاسرون ومستفيدون من كل صراع وأزمة، ومع انه لا يمكن استبدال الإمدادات الروسية والأوكرانية من القمح والمنتجات الزراعية الأخرى بسهولة في العالم، غير أنه يمكن أن يتحول النقص المستمر في المنتجات الغذائية، إلى فرصة للمزارعين الهنود، إذ قامت الهند بالفعل بتصدير أكثر من 6 ملايين طن من القمح خلال الفترة من نيسان/ أبريل إلى 22 كانون الثاني/ يناير 2021. وينطبق الشيء نفسه على الأرز، حيث لامست صادرات غير البسمتي 14 مليون طن متري في نيسان/ أبريل وكانون الثاني/ يناير 2021- 2022، وتجاوز الرقم القياسي البالغ 13.1 مليون طن لعام 2020-2021 بأكمله. حتى شحنات الذرة في طريقها للوصول إلى 3.5-4 طن متري. ورغم ان هذه الارقام قد لا تلبي احتياجات العالم، الا انها لا شك، قد تساعد على الحد من المخاطر الغذائية المقبلة.A

أوكرانيا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

خبر عاجل