آراء وتحليلات

"أنصار" الشهادة والمظلومية: عِبر من الفاجعة

28/03/2022

"أنصار" الشهادة والمظلومية: عِبر من الفاجعة

علي عبادي

أنصار يا أنصار!

لا تُذكر بلدة أنصار الواقعة في قضاء النبطية جنوب لبنان إلا وذُكر معها المعتقل الشهير الذي أقامه جيش الاحتلال الصهيوني على أرضها عقب اجتياح العام 1982.

في صيف العام الذي تلا الاجتياح، حوّل الاحتلال مساحة واسعة من أرضها (تُعدّ أنصار المدينة الثانية بعد النبطية من حيث عدد السكان والمساحة في قضاء النبطية) الى معسكر اعتقال ضمّ بين جنباته آلاف المعتقلين اللبنانييين والفلسطينيين الذين سيقوا اليه بتهمة الانتساب الى منظمات مناهضة للعدو أو ممارسة أنشطة المقاومة. برهن المعتقلون عن إرادة في الحياة والمقاومة تجسدت بتنظيم عمليات تمرد على السجّان وحفر أنفاق للتحرر من أسلاكه الشائكة. تمكن عشرات المعتقلين من التحرر في إحدى المحاولات صيف العام 1983، وفي واقعة أخرى استشهد أربعة آخرون داخل نفق حفروه على أمل الإفلات من المعسكر قبل نهاية ذلك العام. لاحقاً بعدما شاع خبر استشادهم، أصبح ابراهيم درويش، عباس بليطة، ‏ابراهيم خضرا، وأحمد شعيتو قصة مُلهِمة ألهبت الجنوب الذي كان تحت الاحتلال وزادت من عزيمة أهله على المقاومة.

من شهداء معتقل أنصار الأربعة الذين قضوا في نفق تحت جنازير جرافة عسكرية، الى ضحاياها الأربع اللاتي قُتلن مؤخراً غيلة وغدراً ودفنهنّ القاتل/ أو القتلة تحت ركام في حفرة مغارة منعزلة؛ بين الحالتين وجه مظلومية مشترك ولو اختلفت هوية القاتل. كل واحد منا يشعر أن قلبه مسَّه شيء من فظاعة الجريمة الجديدة.

لا شيء يمكن أن يبرر أو يخفف من دوافع القاتل/ القتلة في إبادة عائلة كاملة تقريباً، على غرار أن الوالد الذي يعيش منفصلاً عنها لم يوافق مثلاً على زواج أحدهم من ابنة له أصبحت اليوم شهيدة. الغضب أو الرغبة في الانتقام هي دوافع بدائية آنية، لكنها لا تكفي لتفسير الإقدام على جريمة بهذه البشاعة وعن سابق تصور وتخطيط. لهذا، سنصرف النظر عن خلفيات حالة شاذة ونتركها لأهل الاختصاص لدراستها بشكل معمق، خاصة أن الفاعل ليس واحداً وأن سهولة التحرك عبر الحدود تسمح بتكرار حالات القتل والإفلات.  

"أنصار" الشهادة والمظلومية: عِبر من الفاجعة

عِبر من الفاجعة

يمكن النظر الى الجريمة الرباعية المَهُولة في بلدة أنصار من زاوية وجدانية تسترجع المأساة وتستدعي من المخيلة صورة الضحايا وهن يُقتلن واحدة بعد الاخرى. ويمكن ايضاً التوقف لاستخلاص العِبر وتلخيص بعضها في الآتي:

- الجدية في الملاحقة: هناك قناعة بوجود تهاون ما من الجهات القضائية او الأمنية في متابعة جريمة إخفائهن، أدى ذلك ليس فقط الى التأخر في كشف الحقيقة، وإنما أيضاً الى ثغرة زمنية أتاحت ربما للجاني او الجناة الآخرين المتورطين الإفلات من العدالة. والد البنات الضحايا شكا من أن الاجهزة الامنية لم تقم بتفتيش سيارة الجاني التي أقلَّ فيها ضحاياه الى مصرعهن أو منزله بحثاً عن دلائل محتملة. وذُكر أيضاً ان الجهة القضائية التي نظرت في الموضوع عند فتح ملف التحقيق في اختفاء الأم والبنات الثلاث مطلع آذار رأت أن لا دليل على تورط الجاني المباشر ح. ف. في اختفائهن، وأن هناك احتمالاً لفرار طوعيّ للضحايا من منزلهن الى جهة مجهولة! هذه المعلومة تُوجب - إن صحت - إعادة النظر في أساليب المعالجة القضائية. ذلك أنه ينبغي دائماً النظر الى أسوأ الاحتمالات قبل اتخاذ قرار من قبل القاضي بشأن الخطوة التالية بعد فتح تحقيق، وكان ينبغي التوسع في التحقيق مع الجاني ومن يرتبط به قبل اتخاذ قرار بإخلاء سبيله. تخيلوا مثلاً لو ان الأخير تمكن من المغادرة الى الخارج قبل إخضاعه ثانية للتحقيق بتعاون من أهله، هل كان ليتم العثور على الضحايا وكشف الجريمة التي وقعت قبل ذلك بثلاثة أسابيع؟ ربما كانت القضية ماتت، وليس فقط الضحايا.

الأجهزة الامنية والقضائية مدعوّة الى مراجعة للإجراءات التي اتُخذت وتحديد الثغرات التي نفذ منها الجناة للتمويه على جريمتهم وتضليل التحقيق قبل كشف حقيقة ما جرى، فربما يصوّب ذلك طريقة النظر في قضايا اختفاء أشخاص، حيث يتم في بعض الحالات ترجيح فرضية الهروب من البيت كعذر يخفف عن الجهات المعنية عبء البحث والتحري، مع الإقرار بأنه لا يمكن إنكار جدية القوى الأمنية في متابعة الكثير من القضايا. وكمثال يُضرب ولا يقاس عليه، عشتُ تجربة شخصية لمستُ فيها ملامح تهاون في التحقيق بقضية صدم مواطن على أحد الطرقات الرئيسية في بيروت، وبدلاً من أن يبادر المخفر المعني الى سحب صور الكاميرات المنتشرة على طول الطريق للتعرف على سيارة الجاني - الصادم الذي فر من المكان، استغرق الأمر شهراً حتى فطنوا الى الموضوع، وكانت الصور قد أتلفت تلقائياً بعد تلك المدة الطويلة. والنتيجة أن المصدوم الذي أصيب بكسور ضاع حقه ولم يُعرف صادمه الى اليوم.      
 
- استعادة هيبة القانون:
من الضروري وضع ميزان جديد للعدالة يخلق حالة ردع للقتلة والمرتكبين، فالعدالة التي تتأخر هي عدالة منقوصة تضيّع الكثير من الحقوق، وتسمح للكثيرين بالتمادي وصولاً الى تسجيل جرائم إضافية. اذا لم تتمكن الدولة من استعادة هيبتها وردع من يفكرون بالاعتداء على غيرهم، فقد يغري ذلك الكثيرين للاحتكام الى زنودهم وإلى شريعة الغاب، وساعتها قد يفلت الأمن الاجتماعي على غاربه.

- القصاص: من الضروري قيام حملة وطنية لإعادة العمل بأحكام الإعدام، علّها تشفي غليل أهالي الضحايا الذين يتألمون كل ساعة، لأن المجرمين يتنعمون في السجون أو يسرح بعضهم في الشارع قبل اختيار ضحيتهم. تعطيل تنفيذ الأحكام أوجد حالة شعور بالأمن لدى المرتكبين وهم لا يكفّون عن أذى الناس في كل وقت.

- يجب أن نعترف بأن الدولة لا قدرة لها وحدها على معالجة الخروق المتسعة في الواقع الاجتماعي، ولهذا قد يكون من الضروري إقامة سلطة اجتماعية موازية في كل بلدة تضم أهل الحل والعقد ويحتكم اليها الناس بشكل أولي للبتّ في بعض الإشكالات وإنزال عقاب اجتماعي اذا اقتضى الأمر (المقاطعة مثلاً) بمن يرتكبون بعض المخالفات والمساوئ قبل أن تستفحل. ومثل هذه السلطة لا تأخذ من طريق الدولة طالما لم تصل المخالفات الى طريق اللاعودة (ارتكاب جناية)، لكنها توجد حلولاً توفر العبء على أجهزة الدولة وقد تعجز الأخيرة عن اجتراح مثلها.

- العبث المعلوماتي على مواقع التواصل: للأسف، مع كل واقعة لها بُعد إنساني، تتحول مواقع التواصل الى ساحة للتباري في إطلاق معلومات قبل التحقق منها. بعض المعلومات يسيء الى الضحايا، وبعضها الى ذويهم، أو الى أشخاص أبرياء لا علاقة لهم بالأمر. حب الظهور والتباهي بامتلاك المعلومة مرض مستشرٍ على هذه المواقع، ما يتطلب منا عدم التداول أو المساهمة في نشر أية معلومة الى أن تصبح خبراً رسمياً تقرّه الجهات المختصة. تأخير النشر والتداول ليس فيه ضير، في حين أن التسرع يؤدي أحياناً الى مساوئ وأضرار يتعذر إصلاحها لا سيما في ما يتعلق بالوعي العام والحفاظ على سمعة بعض الأبرياء. أما الذين يتخذون من مآسي الناس مناسبة للتشفي لأعراض طائفية أو مناطقية ألمّت بهم، فهؤلاء مرضى لا شفاء لهم غير أن يفكروا مرتين ويضعوا أنفسهم لمرة واحدة مكان ذوي الضحايا.

مع ذلك، هناك ما يرسم بعض الأمل برغم الفاجعة الواقعة، وهو أن الناس في هذه البقعة الطيبة وفي بقاع أخرى ما زالت تؤمن أن الحكم يجب ان يكون بالقانون لئلا يصاب بريء من أهل الجاني أو المتعلقين به، وذلك حتى لا تفلت الأمور على غاربها ويأخذ كل واحد بيديه ما يعتقده حقاً له، وحينها قد نعيش في عصر التوحش. وهذا الإيمان، وإن شابَهُ قلق وخوف من المستقبل الآتي، يدلل على مساحة من الوئام لا تزال تظلل الواقع الاجتماعي برغم وجود نقاط سوداء تلطخه بين وقت وآخر. لكن هناك شرطاً هاماً لتفادي أن تتسع مساحة هذه النقاط، وهو قيام الدولة والسلطة الاجتماعية المنشودة بواجبها في معالجة الاختلالات التي تكبر - للأسف - مع تزايد التعقيدات الاقتصادية والأنانيات والعصبيات هنا وهناك.

 

المجتمع

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات