intifada

آراء وتحليلات

السرية المصرفية: المشروعية.. وانتفاء الحاجة

20/07/2022

السرية المصرفية: المشروعية.. وانتفاء الحاجة

هاني ابراهيم

يتم التداول في الاونة الاخيرة بمفهوم السرية المصرفية وبوتيرة متصاعدة باعتباره الحاجز القانوني في مواجهة مكافحة الفساد المالي، وكشف خبايا الارقام ومصادر الاموال التي يتلطى خلفها الكثير من الاشخاص، وهذا ما جعله ستارا قانونيا ببعد اقتصادي... لكن كيف ذلك ؟

• مفهوم السرية المصرفية، لمحة تاريخية قانونية
 
سرية المصارف او ما يعرف بالسرية المصرفية Bank Secrecy او خصوصية المصارف Bank Privacy، هو نظام قانوني مصرفي يسمح للمصارف بالحفاظ على سرية المعلومات حول عملائها عن طريق استعمال طرق عديدة منها استعمال أرقام لحسابات مصرفية بدلاً من أسماء حقيقية، ويعمل بهذا النظام في عدد محدود من البلاد مثل سويسرا، سنغافورة، لبنان ولوكسمبورغ.
 
بدأ هذا النظام عام 1934 في سويسرا منطلق السرية المصرفية للعالم، والذي أدى بدوره إلى إنشاء ما يعرف بنظام البنوك السويسري الشهير، واصبح مع الوقت الميزة الاساسية للمصارف التجارية الخاصة. ويعتبر هذا المفهوم بمعناه الشامل بانه الموجب الملقى على عاتق المصرف بعدم افشاء الأسرار المصرفية المتعلقة بزبائنه، والتي آلت إليه بحكم وظيفته أو بمعرض قيامه بهذه الوظيفة، وبرز هذا الموجب بشكل واضح وصريح في النصوص التشريعية اللبنانية ومنها بنصوص عامة، على سبيل المثال المادة 579 من قانون العقوبات اللبناني.

وعليه، فهناك نصوص قانونية صريحة تفرض التكتم وتعاقب الإفشاء، كما تعمل البنوك على عدم تقديم المعلومات عن العملاء إلا لمن تحددهم القوانين.

• ابعاد هذا المفهوم اقتصاديا

تعتمد معظم الأنظمة المصرفية في بعض الدول، السرية على العمل المصرفي، انما بدرجات نسبية ومتفاوتة، انطلاقًا من الحرص على الحق الشخصي للعميل الذي يخشى المزاحمة القائمة في حقول مختلفة من تجارية وصناعية واستثمارية واطلاع منافسيه على حقيقة أموره.
هذا مع التاكيد على مصلحة المصرف نفسه في الحفاظ على سرية عملياته المصرفية منعا من المزاحمة او كشف عملياته امام غيره من المصارف التجارية المنافسة سواء محليًا وعالميًا.

لذا اعتبرت بعض الدول ان السرية المصرفية لها اهميتها لأنها تساهم في:

اولا: جذب رؤوس الأموال المحلية والأجنبية ما يجعل من البلد مقصدا للايداعات الكبرى.

ثانيا: دعم الثقة بالاقتصاد القومي ما يشجع الاستثمار، وتوفير الثقة بالائتمان المصرفي، مما ينعكس ايجابًا على مناخ الاستقرار الاقتصادي من جهة اخرى.

لكن وبالرغم من كل الايجابيات المذكورة اعلاه يبقى الجانب المظلم والسلبي الذي يلعبه هذا المفهوم
من خلال آراء معارضة لنظام السرية المصرفية لأسباب كثيرة منها التهرب الضريبي وتهريب الاموال وتبييضها وغيرها الكثير من الاعتبارات.
 
• ماذا عن السرية المصرفية في لبنان؟
                                                             
اشتهر لبنان في الحقبة الماضية بانه سويسرا الشرق، حيث ذهب البعض الى ربط هذه التسمية بطبيعة لبنان المناخية والمناطقية وقربها من تلك السويسرية، فيما الواقع في مكان اخر حيث أُطلِق على لبنان هذه التسمية بسبب اعتبار سويسرا ملجأ للأموال الخارجية الهاربة، ومن خلال اعتماده قانونا للسرية المصرفية.

في لبنان برز القانون الصادر بتاريخ 3 أيلول/ سبتمبر 1956، حيث اعتمد لبنان السرية المصرفية بموجبه عطفا على قوانين اخرى لا سيما المادة 579 من قانون العقوبات كما ذكرنا سابقا والتي بدورها تعاقب على افشاء الأسرار من قبل الأفراد الذين يعلمون بها بحكم وضعهم أو وظيفتهم، أو مهنتهم أو فنهم، من دون أن يكون هناك سبب شرعي أو استعمال لمنفعة خاصة أو لمنفعة أخرى.

ذهب الكثير الى اعتبار هذا القانون فرصة ذهبية لجذب الاموال العربية والاجنبية، ما جعل لبنان مقصدا للاموال والايداعات الكبرى بالنظر لهذا القانون الذي يمنع افشاء اي معلومة مهما كانت لاي جهة كانت عن اي عميل يملك حسابا مصرفيا في احد المصارف التجارية في لبنان.
 
فهل شكل هذا القانون عائقا امام مكافحة الفساد ورفع السرية عن اموال كبار الموظفين وممن يتعاطون الشأن العام؟

إن أولى الخطوات التي يجب اتخاذها من أجل مكافحة بعض الجرائم، وخصوصًا الجرائم المالية مثل تبييض الأموال وغسيل الاموال ودعم الارهاب وغيرها، هي التحقيق والتفتيش والاستقصاء عن الأموال المهربة وغير المشروعة وعن مصادرها، بالإضافة إلى امور عديدة لها علاقة بدراسة العمليات النقدية وتحليلها، وجمع المعلومات المتعلقة بتطور عمليات تبادل الأموال... لكن هذه العمليات كلها وغيرها طبعا تحتاج الى الولوج لحسابات المعنيين، وبالتالي الكشف عن الودائع الموجودة في المؤسسات المالية، وخصوصًا المصارف. وهنا تظهر العقبة الاساس السرية المصرفية الحاجز القانوني التشريعي!!

كشفت التقارير والاحداث ان جرائم الاموال من تبييض وغيرها كانت محمية بستار قانوني تحت عنوان السرية المصرفية، وبالتالي كلما كانت القوانين حازمة وصارمة لجهة الكشف عن الايداعات والحسابات في المصارف او المؤسسات المالية كلما كان الطريق أصعب وغير ممهد للوصول الى النتيجة المرجوة، والعلاقة بطبيعة الحال عكسية في هذا الاطار، ما جعل من هذا القانون غطاء للفساد والاثراء غير المشروع. كل ذلك يأخذنا الى سؤال اخر طبيعي وبديهي وهو هل من جدوى لبقاء هذا القانون بظل اتفاقات واقرار قوانين وتعاميم مصرفية استجابة لرغبات دولية بحيث اصبحت السرية معمولاً بها في لبنان فقط؟

شكلت السرية المصرفية وتقييد رفعها بحالات ضيقة جدًا، حائلا دون تتبع الأموال غير المشروعة، والناتجة عن عمليات غير مشروعة، وبالتالي اعاقت عملية مكافحة هذه الجرائم غسيل الأموال التي تتم عبر المصارف كما والتجارة بالبشر وغيرها الكثير من التبادل المالي المناقض للقوانين والشرائع ، الأمر الذي يجعل من الجهات المصرفية، حصنا حصينا وملاذا امنا لأصحاب الأموال المشبوهة والقذرة والذين بدورهم يفتشون عن اي طريقة لتحويل هذه الاموال مما هي عليه الى اخرى شرعية وذلك دون حسيب او رقيب.    

امام تعاظم هذه العمليات وتاثيرها المباشر على الدول كان التوجه نحو الاتفاقات الدولية والمعاهدات فظهرت اتفاقية فيينا العام 1988، والتي اشارت بشكل واضح وصريح لضرورة عدم الاحتجاج بسرية العمليات المصرفية من أجل تقديم السجلات المصرفية وتوفير النسخ الأصلية او الصور المصدَّق عليها من السجلات والمستندات المصرفية (المادة الخامسة والسابعة من الاتفاقية)، ما يحتم على الدول التي تطبق قانون السرية المصرفية ان تكشف عن هذه الحسابات بما يتناسب مع التحقيق والاستقصاء الشفاف وصولا للحقيقة المرجوة. ولقد اعتمد لبنان في هذا الاطار عدة تدابير وإجراءات أدت إلى التوفيق بين حاجته إلى السرية المصرفية وضرورة انخراطه في الجهود الدولية لمكافحة جريمة غسيل الأموال، وقد جرى ذلك من خلال (القانون 318/2001 من جهة والمعاهدات الدولة والاتفاقات لا سيما اتفاقيات بازل 1 وبازل 2 وغيرها...)

ولكن اللافت للنظر هنا هو ان الدولة الاكثر استعمالا واستخداما للسرية المصرفية والتي اخذ منها لبنان ذلك اي سويسرا والتي تعتبر مهد نظام السرية المصرفية، أجازت رفعها في حالة تبييض الأموال ابتداء من نيسان/ أبريل 1998.

صحيح ان لبنان لم يهدف من خلال هذا القانون الى حماية الاموال غير المشروعة تحت اي مسمى كان، حيث ان الهدف وعلى نحو اساس كان السعي لجذب الرساميل الأجنبية إلى لبنان، وبصورة خاصة رساميل الدول العربية، والاجنبية وغيرها، لكن تطبيق هذا الاهدف انحرف عن مساره واصبح في مكان اخر ما جعلنا امام اشكالية اخرى وهي ضرورة ادخال تعديلات على هذا القانون.

هل التعديل الجزئي لقانون السرية المصرفية وفق العقلية اللبنانية قابل للاقرار؟ واذا ما اقر هل يطبق؟

وفي ظل المسار المتصاعد لمكافحة الفساد المستشري في لبنان على كافة الصعد، كان هناك اقتراح قانون تقدم به احد النواب يرمي الى ادخال تعديل على قانون السرية المصرفية لا سيما المادة السابعة منه
حيث يرمي التعديل الى تسهيل رفع السرية المصرفية في قضايا الفساد والإثراء غير المشروع، بشكل يشمل موظفي القطاع العام، القضاة، الاحزاب والجمعيات.

نص هذا الاقتراح على إلغاء المادة السابعة من قانون سرية المصارف والاستعاضة عنها بالتالي: "لا يمكن للمصارف ان تتذرع بسرّ المهنة المنصوص عليه في هذا القانون في شأن الطلبات التي توجهها السلطات القضائية المتعلقة بـ:

• الموظفين والقضاة والقائمين بالخدمة العامة وازواجهم واولادهم القاصرين.

• الجمعيات السياسية المشمولة بقانون الجمعيات.

• رئيس واعضاء الهيئات الادارية في الجمعيات السياسية وازواجهم واولادهم القاصرين".

ان هذا التعديل يجعل من المادة 7 من قانون السرية المصرفية، التي تنصّ أساساً على رفع السرية المصرفية في قضايا الإثراء غير المشروع، يجعل منها اكثر فعالية من جهة وأكثر شمولية من جهة اخرى بحيث تطال كل قضايا الفساد.

فيما ذهب حزب المصارف الى معارضة التعديل متسلحين بان اي تعديل مباشر على قانون سرية المصارف يمس بما تبقى من هيبة القطاع  المصرفي في لبنان. لهؤلاء نتوجه بالسؤال: ماذا عن الممارسات التي قامت بها المصارف منذ عام 2019 حتى اللحظة من حجز اموال المودعين وعمليات الهيركات وتقنين السحب بالعملة الاجنبية والوطنية واعطاء المودع عملة اخرى غير عملة حسابه المصرفية؟ ماذا عن كل ذلك؟!

ما من سبب للابقاء على السرية المصرفية والتي تشكّل مدخلا الى الكثير من الملفات على مستوى الشفافية، خاصة بعدما ضربت منظومة المصارف كل القوانين التي تحمي المودعين عرض الحائط مخالفة بذلك ابسط حقوق المودع من حقه في وديعته من سحب وايداع وتحويل في اي وقت شاء.

الاقتصادالمصارفجمعية المصارف

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة