westillwithhossein

خاص العهد

المصارف تبتز المودعين والدولة.. المحاسبة ممنوعة

06/08/2022

المصارف تبتز المودعين والدولة.. المحاسبة ممنوعة

فاطمة سلامة

لا نبالغ اذا قلنا إن الجزء الأكبر من المشكلة المالية والنقدية التي يعيشها لبنان تقف وراءها المصارف بدعم وتغطية وإسناد من مصرف لبنان. الأخير يكاد يكون الرأس المدبّر لكافة البلاءات التي ترزح تحتها غالبية الشعب اللبناني. ما جرى بعد أزمة 17 تشرين الأول 2019 وافتعال المصارف أزمة الإغلاق خير دليل على عقلية "أنا أو لا أحد" التي يتصرّف بها هذا القطاع. ثمن الإغلاق حينها كان كبيرًا ودفعت ثمنه غالبية الشعب اللبناني بدءًا من الارتفاع الدراماتيكي والجنوني بسعر صرف الدولار وليس انتهاء بحجز الودائع والتفرد بها لإعطاء المودع من "الجمل اذنه". 

ورغم كل الشكاوى والدعاوى التي صدرت على مدى عامين ونصف بحق المصارف، لا تزال الأخيرة تكابر، ولا تزال تتنصّل من أي مسؤولية، لا بل وصلت الوقاحة بها حدّ التلويح بالإضراب لمجرّد توقيف أحد رجالات "كارتيل" المصارف بناء على دعوى قضائية بحقّه. يريد هذا الكارتيل وبكل بساطة أن يقول إن المحاسبة القضائية "ممنوعة" منعًا باتًا ومحرّمة، والمس بأي مصرفي سيُعيد سيناريو ما بعد 17 تشرين الأول لتتفاقم الأزمة أكثر فأكثر. يتصرّف المصرفيون وكأنّهم فوق القضاء والقانون والمحاسبة. يرفضون تحمُّل ولو جزء بسيط من الخسارة، فيما يحمّلون المودع 90 بالمئة منها دون ذنب أو جرم. 

وعلى قاعدة "ضربني وبكى سبقني واشتكى"، أعلنت جمعية المصارف الإضراب بدءًا من يوم الاثنين (8 آب 2022)، على أن تقرّر في العاشر من آب الموقف الّذي تراه مناسبًا. والمفارقة أنّ قرار الجمعية بالإضراب أتى على وقع تقرير للبنك الدولي ألمح إلى أن المودعين في بنوك لبنان ربما تعرضوا إلى "مخطط بونزي" الاحتيالي الشهير، ما أدى في النهاية للتضحية بالمودعين. 

بموازاة ذلك، سرت معلومات تفيد بتأجيل البت بقرار تعليق الإضراب أو المضي به إلى اليوم السبت لمزيد من التباحث بين أعضاء الجمعية. فما تداعيات إضراب القطاع المصرفي -إن حصل- وتأثيراته على السوق؟. 
 
حمادة: المصارف تبتز المودعين والدولة معًا 

الخبير المالي والاقتصادي الدكتور حسن حمادة يعلّق على قرار المصارف بالإضراب بالإشارة الى أنّ ما تسمى جمعية المصارف تبتزّ المودعين والدولة للهروب من المسؤولية، وكأنها غير مسؤولة عما حصل من أزمات على الساحة النقدية. من وجهة نظره المالية والاقتصادية فإنّ المسؤولية الأكبر تقع على عاتق المصارف ومصرف لبنان. برأيه، المساءلة يجب أن تبدأ من مصرف لبنان والمصارف على الطريقة التي كانت تُدار بها أموال المودعين والتي أقل ما يقال عنها إنها "سرقة موصوفة". 

ويشدّد حمادة على أنّ "هذا الابتزاز لم يبدأ اليوم بل بدأ منذ حكومة حسان دياب عندما رفضوا رفضًا قاطعًا الخطة الاقتصادية وشكّلوا "لوبي" وحصلوا -للأسف- على دعم جزء كبير من النواب كانوا يعملون لمصلحة المصارف والدولة العميقة أكثر مما يعملون لمصلحة المودعين".  

المزيد من الارتفاعات بسعر صرف الدولار 

يتحدّث حمادة عن التداعيات السلبية لإضراب المصارف -إن حصل-؛ فرغم أنها تعطي فتات الدولارات للمودعين (200 و400 دولار) لكنها تمد السوق بسيولة، وتوقُّف البنوك عن إمداد السوق بالحد الأدنى من السيولة سيكون له تداعيات سلبية، خاصة أنّ الإضراب قد يتزامن مع عودة المغتربين الى الخارج. وجود المغتربين في الصيف عمل في مكان ما على إبعاد الدولار عن سيناريو "القفزات" الكبيرة التي كانت تحصل في سعر الصرف بالرغم من الأزمات وغياب الأفق لتشكيل الحكومة. وهنا يشير حمادة الى أنّ دخول المصارف في لعبة الإضراب سيؤثّر على السيولة ويؤدي الى المزيد من الارتفاعات بسعر صرف الدولار. 

غايات الإضراب 

وحول الأهداف الكامنة وراء إضراب القطاع المصرفي، يشير حمادة الى أنّه وبالإضافة الى التهرب من المحاسبة القانونية، ثمّة غايات أخرى. القطاع المصرفي بكل بساطة غير مستعد لتحمل الخسائر، وطالما أنّه لا يوجد خطة تنفّذ طالما أن الحل يتم على حساب -ليس المودعين فقط- بل أغلبية الشعب اللبناني وبالأخص الطبقة الفقيرة والمتوسطة. وفق حساباته، فإنّ منع الحل يعني أن "تنشر المصارف غسيلها المتّسخ" في حوزة الشعب اللبناني. 

هذا الأمر بدا واضحًا وضوح الشمس في تجاوزات المصارف التي تنصّلت من التزاماتها حيال المودعين بالدولار وأعطتهم الفتات، فيما الجزء الأكبر تسدّده بالليرة اللبنانية لإطفاء خسائرها والتقليل من التزاماتها. وهنا يوضح المتحدّث أنّ القطاع المصرفي كان لديه التزامات هائلة بالدولار لكنها هبطت اليوم بطريقة كبيرة عبر إطفاء جزء كبير منها على حساب المودعين والشعب اللبناني. وبالموازاة، عمل مصرف لبنان على طبع المزيد من العملة الوطنية لنشهد المزيد من  الارتفاع بسعر صرف الدولار والتضخم الذي يدفع ثمنه الشعب اللبناني. 

غاية أخرى للمصارف عبّرت عنها غير مرّة، حيث سلّط "كارتيل" المصارف الضوء على أملاك الدولة ومرافقها العامة، طالبًا من الدولة التصرف بهذه الأملاك بطريقة أو بأخرى، بمعنى أن تأتي الدولة بالأموال من هذه الأملاك وتعطيها للمصارف التي ترد بدورها للمودعين أموالهم. وهنا يسأل حمادة: أين المنطق؟. برأيه، أي مصرف يخوض استثمارًا خاطئًا فهو المسؤول عن رد الأموال. المصارف أخطأت في إدارة المخاطر، واستثمرت 70 بالمئة من أصولها بطريقة خاطئة مع الدولة، ورغم علمها أنّ نسبة المخاطر مرتفعة جدًا جدًا، لكنّها واصلت سياسة إقراض الدولة وإغراء المودعين بالفوائد المرتفعة على قاعدة "البونزي" (نموذج احتيالي يقوم على دفع عوائد عالية للمستثمرين الحاليين من أموال المستثمرين الجدد). 

وفيما يشدّد حمادة على أننا في عمق الأزمة ونواصل الانحدار، بموازاة انتهاء دور المصارف، يلفت الى أنه لا يمكن لأي اقتصاد حتى ينمو ويتحسّن من جديد الا أن يتحسّن الوضع المصرفي فيه والذي يُعد بمثابة القلب النابض لاي اقتصاد. برأيه، الدور المصرفي مهم ولكن الطريقة التي أدير بها في لبنان كانت خاطئة. وحتى يتمكن القطاع المصرفي من النهوض مجددًا لا بد من رسملته، وهنا عملية شدّ الحبال، يقول حمادة الذي يشير الى أنّ الدولار في المصارف لا يزال عند سعر صرف 1507 ليرات، واذا ما جرى احتساب رأسمال المصارف المكوّنة بالليرة اللبنانية -والبالغة 49 بالمئة- وفق سعر صرف السوق الموازية سيتبيّن أنّ حقوق السحب الخاصة في أكثر المصارف سلبية أي أن المصرف في حالة إفلاس غير معلن. 

المصارف أمام خيارين 

وعليه، يرى حمادة أنّ المصارف أمام خيارين؛ إمّا الخضوع للدمج، وإما وضع إيداعات من أموال المصارف الخاصة. النقطة الأخيرة ترفضها المصارف التي لا تريد أن تتحمّل  شيئًا من الخسائر وسط تغطية من مصرف لبنان الذي يُصدر بين الحين والآخر تعاميم غير قانونية وغير دستورية كتحديد الدولار المصرفي وفق سعر صرف 8 الاف ليرة. وهنا يسأل حمادة: بأي حق يتصرّف هكذا؟ ولماذا لا يحدّده بـ18 ألف مثلًا رغم أنه يجب أن يكون وفق سعر السوق الموازية؟. بالنسبة لحمادة، لا بد للمصارف من أن تعترف بخسائرها وتتحمل جزءًا منها بعيدًا عن تحميل المودع 90 بالمئة من الخسائر حيث يبلغ الشيك المصرفي حاليًا 12 بالمئة من قيمته الفعلية. 

وفي الختام، يعيد حمادة التأكيد أنّ للمصارف دورًا في الاقتصاد، لكن الطريقة التي تدار فيها الأمور ليست أبدًا لمصلحة الشعب بل لمصالحها الخاصة.
 

الدولارمصرف لبنانجمعية المصارف

إقرأ المزيد في: خاص العهد

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة