عهد الأربعين

آراء وتحليلات

الصراع الأميركي ـ الصيني على جزر سليمان حلقة من سلسلة متشابكة

18/08/2022

الصراع الأميركي ـ الصيني على جزر سليمان حلقة من سلسلة متشابكة

عبير بسّام
تعتبر العلاقة الاستراتيجية التي أقامتها الصين مع جزر سليمان في 19 نيسان/أبريل الماضي مجرد محطة من المحطات نحو الصراع ما بين الولايات المتحدة والصين من اجل بسط نفوذهما في منطقة المحيط الهادئ. ومن المعلوم أن مجموعة الجزر التي تقع في بحر سليمان كانت محميات بريطانية وألمانية، واستقلت في السبعينيات من القرن الماضي. ولكن الولايات المتحدة تنظر إليها على أنها حديقة خلفية، ترمي إليها ببعض الفتات في حال الحاجة إليها، وتهملها عندما تستريح على وضعها. في العام 2019، قامت جزر سليمان بفصل العلاقة ما بينها وما بين تايوان، وأقامت العلاقات الدبلوماسية مع بكين بشكل مباشر. وتوجت العلاقة مع بكين في 19 نيسان/أبريل الماضي بتوقيع "الاتفاقية الإطارية للتعاون الأمني". في هذا التاريخ، تم تأريخ بدء نزال جديد وأكثر جدية ما بين الصين والغرب.

لم توقع الصين الاتفاق مع جزر سليمان  من فراغ، بل جاء نتيجة طبيعية لتصاعد الحصار الغربي عليها وخاصة بعد إنشاء تحالف "أوكوس ـ AUKUS" الثلاثي ما بين الولايات المتحدة وبريطانيا واستراليا. تحالف هدفه الأول التعاون الأمني والعسكري في منطقة البحر الهادئ وتعزيز الوجود العسكري الغربي. حينئذ شهدت تلك المرحلة ما بعد بدء العلاقة ما بين بكين وهونيارا، عاصمة جزر سليمان، تصعيداً غير مسبوق ما بين الصين والولايات المتحدة، اذ انسحبت الولايات المتحدة من اتفاق التجارة مع الصين في العام التالي، مع ثلة من الاتهامات، التي ساقها الرئيس الأميركي دونالد ترامب آنذاك ضد الصين واتهامها بنشر فايروس كوفيد 19. اذ كان يتأمل ترامب من خلال الحملات التي قادها، ضرب الاقتصاد الصيني وبالتالي إضعاف قوتها المتصاعدة.

وابتدأت الولايات المتحدة مع بريطانيا عددًا من الاتفاقيات والعهود ومنها اتفاقية "أوكوس" في تموز/ يوليو 2020 وغيرها من اتفاقيات التعاون الأمني مع استراليا ونيوزيلندا. وبرز اليوم مدى العلاقة العميقة ما بين هذه المعاهدات، وبين توجه الصين إلى جزر سليمان من أجل توقيع اتفاق الضرورة الذي أشعل رأس مجموعة "أوكوس" بأكملها. ولختم الاتفاق بما يحيد استراليا نهائياً عن العلاقة مع الصين، لُزمت استراليا صناعة وتطوير ونشر غواصات تعمل بالطاقة النووية في المحيط الهادئ. وهنا علينا أن نشير إلى تلازم المسارات الغربية في السيطرة على العالم، فبعد توقيع اتفاق "أوكوس" بشهر، حصل انفجار بيروت. قد تبدو القضية مبالغًا بها، ولكن مقابل سحب عقد بناء الغواصات التي تعمل بالطاقة النووية من فرنسا، لزمت الأخيرة دولياً متابعة ملف لبنان. صدفة قد تبدو غريبة ولكن بالتوقيت هذا ما حدث.

في الحقيقة إن التحالف الذي بني حول الصين من خلال التحالفات التي دفعت باتجاهها بريطانيا، مثل تحالف "العيون الخمس" الذي يضم إلى جانب الدول الثلاث السابقة كلًّا من كندا ونيوزيلندا. وتطور التحالف حتى أصبح عدد الدول المشاركة فيه اليوم خمس عشرة، وهي تحالفات استخبارية بامتياز تضم اليابان إلى جانب دول أخرى في العالم، وقد باتت مقلقة بشكل كبير للصين. اذًا يبدو أن الغرب ذاهب نحو حصار واسع الطيف. لذا كان من المنطق أن تبني الصين تحالفاتها على الأقل في الدول التي تحيط بها إضافة إلى التوسع شرقاً، وهذا ما دفع نحو تحالف شنغهاي، أو ما يسمى بـ"منظمة شنغهاي للتعاون". وهذا ما دفع نحو بناء العلاقات الإستراتيجية والعسكرية في المحيط الهادئ، وبناء عليه وقعت الاتفاقية مع جزر سليمان. وخلال محاولات الصين التواصل مع جزر المحيط الهادئ كانت هناك دعاية غربية واسعة حول فشل بناء العلاقات مع جميع الجزر، إلا أن بكين فعلتها فعلياً مع هونيارا.

جزر سليمان، عبارة عن مجموعة من الجزر الصغيرة الممتدة في بحر سليمان المنفتح على المحيط الهادئ. وتكمن أهميتها بأنها تقع إلى الشمال الشرقي من استراليا، مقابل عاصمتها كانبرا، وإلى الشمال الغربي من نيوزلندا، وإلى الغرب منها تقع جزر هاواي، والتي تضم أهم القواعد العسكرية الأميركية. وتتابع الصين اليوم خطط التنمية في جزيرة "غوادالكانال" الرئيسية والتي تقع فيها العاصمة، وتدفع الولايات الأميركية نحو مخطط لتطوير ميناء يقع في أعماق البحار في جزيرة "مالايتا". ومن هنا يمكننا فهم أسباب قلق أميركا ودول "أوكوس" من اقتراح الصين، والذي سيتم تنفيذه، بنشر وحدات بحرية وبرية من أجل ضمان أمن الجزر، وخاصة وأن هذه الجزر قد شهدت أعمال عنف واحتجاجات، في نيسان/ أبريل العام الماضي، ضد رئيس الوزراء "ماناسيه سوغافاري"، الذي وقع الاتفاقية مع الصين.

الصين، التي وقعت الاتفاق، لم تعدم الجهود من أجل بناء العلاقات مع باقي الجزر المنقسمة. فجزر سليمان التي تقع في الجهة الجنوبية من المحيط الهادئ تنقسم إلى قسمين دولة جزر سليمان، والجزر الشمالية التي هي جزء من دولة "بابو غينيا"، والتي تقف ضد الاتفاق مع الصين. وفي بداية شهر تموز/يوليو أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي مجموعة من الزيارات للجزر وهي "بابوا غينيا" و"فيجي" و"كيريباتي" و"ساموا" وأجرى اتصالات فيديو مع قادة "مايكرونيسيا" وجزر "كوك" التي تتمتع بحكم ذاتي في نيوزيلندا، بحسب وكالات الأنباء.

وتطل الجزر في جهتها الجنوبية الغربية على بحر سليمان، وبالتالي فهي تقع في الجهة الجنوبية الشرقية لكل من أندونيسيا وماليزيا والفليبين، والصين وبالتالي تايوان،. وهي الدول التي جاءت زيارة نانسي بيلوسي ووفد الكونغرس إليها رداً على جولة الوزير يي. وإذا كان الصراع الأميركي الصيني من أجل مجموعة من الجزر مساحتها 28450 كم مربع، وعدد سكانها 500 ألف نسمة قد وصل حد التهديد الأميركي باستقطاب تايوان ودفعها نحو الانفصال عن الصين، خوفاً على المصالح الأميركية في المنطقة، فما الذي يمكن أن تدفع باتجاهه أميركا في منطقتنا الغنية بالنفط والغاز، خاصة وأن هناك أخبارًا عن بحر من النفط يقع في منطقة المحيط الهادئ وبحر الصين وقد ابتدأ منذ زمن يسيل اللعاب الأميركي من أجل حصة فيه؟

الصيناميركاجزر سليمان

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة