عهد الأربعين

نقاط على الحروف

المسألة الديموغرافية ودورها في حسم الصراع مع العدو

21/09/2022

المسألة الديموغرافية ودورها في حسم الصراع مع العدو

الأسير ثابت مرداوي*

يشكّل النمو الديموغرافي والتعداد السكانّي عاملًا أساسيًا في حسم الكثير من القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الإنسانية حول العالم. ولهذا تلجأ عادة الدول الاستعمارية إلى إبادة السكان الأصليين أو تقليل أعدادهم بحيث تمنع خطر ازدياد أعدادهم لما له من تأثير على وجودها وسلطانها. من هنا، تكتسب مسألة النمو الديموغرافي أهمية بالغة في حسم الصراعات. وإذا تحدثنا عن الصراع العربي الصهيوني، وعن إزالة "اسرائيل" من الوجود، ينبغي الوقوف عند أهمية النموّ الديموغرافي للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة.

المسألة الديموغرافية ودورها في حسم الصراع مع العدو
الأسير ثابت مرداوي

رغم أهميتها، لم يتطرق أحد إلى مسألة العلاقة ما بين سياسة الاعتقال والحد من النمو الديمغرافي للشعب الفلسطيني، على مختلف الصعد الأمنية والإنسانية والوطنية والوجودية للشعب الفلسطيني. كل المؤشرات والمعطيات المتعلقة بطبيعة المشروع الصهيوني، وبمسألة الاعتقال ونتائجه وتأثيراته، وبالتجربة المباشرة مع كيفية عمل العقل الصهيوني، تؤكّد حرص الصهاينة على خفض النموّ السكاني للفلسطينيين داخل الأرض المحتلة. على سبيل المثال ولتقريب الفكرة، أثناء انتفاضة الأقصى كان شارون يطلب أن يقتل في كل يوم ١٠ شبّان فلسطينيين على الأقل، وهذا الطلب لم يأت في سياق أمني انما في سياق ديموغرافي لأنه يعلم أن مقتل هذا العدد يوميًا مع الوقت سيؤدي إلى تغيّر ديموغرافي واضح يخدم الوجود اليهودي والصهيوني في فلسطين عبر انحسار اعداد الفلسطينيين فيها.
 
إنّ قراءة المسألة السكّانية الديمغرافية تظهر العلاقة القوية جدًا بين سياسة الاعتقال وبين مساعي الحدّ من نمو الشعب الفلسطيني. وبحسبة سهلة، يمكن الاستنتاج أنّه منذ العام ٦٧ إلى اليوم، عدد الفلسطينيين الذين اعتقلوا أدى الى تراجع النمو السكاني للشعب الفلسطيني بما لا يقل عن قرابة ٢،٥ مليون شخص، ما يشكّل فارقًا شاسعًا وخطرًا على المستوى الديمغرافي. عبر الاعتقال تمّ القضاء عمليًا على أجيال لأن لو أنجب المعتقلون الذين منعهم الاعتقال من فرصة الانجاب لكان احفادهم اليوم ينجبون.

هذه المعطيات اذا تمت ترجمتها سياسيًا ووطنيًا ونضاليًا، كم يمكن للـ٢،٥ مليون (الرقم تقريبي) فلسطيني في الضفة وغزّة أن يرفدوا النضال الفلسطيني اليوم لا سيما وأن جميعنا يعلم ان الانتفاضة تأخرت ٢٠ عامًا لان عدد السكان الفلسطينيين في الضفة الغربية لم يكن يسمح ولا يستطيع أن يتحمل أعباء انتفاضة شعبية متواصلة، فالمعركة تحتاج إلى قاعدة شعبية وازنة.

منذ عشرين أو ثلاثين سنة، لم يكن عدد الفلسطينيين في أراضي ٤٨ يتيح لهم القيام بأي تحرك جماهيري. أما اليوم فقد اقتربوا من المليونين، وهو عدد يسمح إلى حدّ ما بالقيام بهذا النوع من التحركات. لو كان لدينا ٢،٥ مليون فلسطيني معهم كانوا سيرفدون الحالة النضالية اولًا ويصنعون فارقًا هائلًا في مجرى الصراع.

لو سألت أيّ فلسطيني سيقول لك الصراع على الارض والمكان، وبالتالي الفوز في هذا الصراع يتطلب أن يمتلك الفلسطينيون الحيّز المكاني، أيّ القدرة على الاستئثار بالمكان بمعنى زيادة تعدادهم، لكن الفلسطينيين بدل القيام بذلك اتجهوا الى ما يشبه تحديد النسل.

في الثمانينيات وبداية التسعينيات كانت نسبة النمو السكاني لدى الشعب الفلسطيني حوالي ٥ بالمئة، أما اليوم فنسبة النمو السكاني لا تتعدى ٢،١ بالمئة!

التحدّث في هذه المسألة والبحث فيها اليوم هو ضرورة وطنية، وإثارتها الآن تهدف إلى الإشارة إلى أهمية عدد السكان في حسم الصراع، لا سيّما وأنّ هذه المسألة حاضرة لدى الصهيوني الذي يسعى للحد من نمو الشعب الفلسطيني بأي طريقة، الى حدّ متابعة عدد الولادات الفلسطينية يشكل يوميّ، وإحدى هذه الطرق هي الاعتقال. لماذا الاعتقال تحديدًا؟ لأنه يجعله بمأمن من رد الفعل العنيف من الناس ويمر مرور الكرام بعكس القتل الذي يؤدي في كثير من الاحيان إلى ردود فعل يحاول الصهيوني اجتنابها في مراحل معينة. هذا الربط بين الاعتقال المنهجي وبين النمو الديموغرافي يُعد قضيّة اساسية من الناحية الانسانية والوطنية والنضالية. وللأسف على الرغم من صوابيّتها وأهميتها، لا يوجد حتى الان ابحاث جديّة ومنهجية وعلمية حولها، علمًا أنّي حاولت القيام بذلك إلّا أنّ ظروف الأسر منعتني إذ لم تتوفر لدي مراجع أو مصادر لاتمام هذا العمل بشكل منهجي.

الهدف من طرح الموضوع إذًا هو لفت الانتباه الى أهمية هذا الربط الحاضر في ذهن الصهاينة والغائب عن أذهاننا، وإلى أهمية أن يتجنب الفلسطيني الاعتقال قدر الإمكان بالإضافة إلى تسليط الضوء على قباحة الصهيوني وأساليبه الخفية.

فأحيانا ينجرّ الناس إلى فكرة أن "إسرائيل" تستخدم القوة الناعمة ضد الفلسطينيين، وقد يبلغ المغرّر بهم حدّ الشعور بالامتنان للصهاينة على استخدامهم هذا النوع من القوّة، ولكن يجب التشديد على أن هذه القوة خطيرة وسيئة وهي تتجاوز كل تعريفات القذارة والعنصرية وتدخل في دائرة الإبادة الناعمة التي لا تثير انتباه أحد.

بشكل عام، اذا تنبه الفلسطينيون الى أهميّة المسألة الديموغرافية لتمكنوا من حسم الصراع بغضون عشر سنين. المشروع الصهيوني لا يتحمل تعادلًا سكانيًا بين الفلسطينيين والمستوطنين، فما بالكم اذا ازداد العدد!؟

 *من قادة سرايا القدس في معركة جنين في العام 2002

فلسطين المحتلةالكيان المؤقت

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة