آراء وتحليلات

حرب الأنابيب والاستراتيجية الأميركية ‎‎

07/10/2022

حرب الأنابيب والاستراتيجية الأميركية ‎‎

يونس عودة

دخلت حرب الطاقة مرحلة متقدمة مع حدثين كبيرين أوّلهما التفجير الذي استهدف خطوط السيل الشمالي الذي تتغذى منه أوروبا على وجه الخصوص، والثاني اعلان الدول المصدرة للبترول "اوبك +" تخفيض الإنتاج بمعدل مليوني برميل يوميًا، ما اعتبره الأميركيون تحديًا كبيرًا لهم، ومؤشرًا على تمرد جديد خصوصًا في ظل المساعي الأميركية والفرض على الدول السبع تحديد سقف لأسعار الطاقة الروسية من ضمن عملية واسعة النطاق لانهاك روسيا، بموازاة العمل على إجبار الأوروبيين على تشديد ضغوط العقوبات على روسيا، لتحقيق هدف رسمته الإدارة الأمريكية جوهره زيادة حصتها في سوق الطاقة في الاتحاد الأوروبي على حساب "اقتصادات الشركاء".

في عملية التفجير التي طالت خط السيل الشمالي تدل المعطيات على أن ما جرى اعتداء أميركي عن سابق إصرار وتصميم، بحيث إن الأمكنة المعتدى عليها تقع ضمن مسرح نشط للقوات الأميركية مؤخرًا مع اكتشاف مواقع تسرب في خطوط السيل الشمالي1 و2 في المياه الدولية بشرق جزيرة بورنهولم الدنماركية. ويقع اثنان منها في المناطق الاقتصادية الخالصة للسويد، واثنان في تلك التابعة للدنمارك.

حتى الآن لم تتهم روسيا أحدًا بصورة علنية بالوقوف وراء التفجيرات التي أدت الى ظهور فقاعات غازية على سطح البحر يتراوح قطرها بين 200 و900 متر، باستثناء تذكير من نائب رئيس مجلس الأمن القومي الروسي دميتري ميدفيديف الذي قال: "قبل 39 عاما تقريبا، في 11 تشرين اول/ أكتوبر عام 1983 نفذت الولايات المتحدة غارة على مستودع للنفط في ميناء كورينتو بنيكاراغوا، حيث تم تخزين أكبر قسم من الاحتياطيات النفطية للبلاد". وتابع: "وبعد 3 أيام من ذلك، في 14 تشرين اول، في ميناء بورتو ساندينو تم تفجير أنبوب النفط تحت الماء، وخلال الفترة بين كانون الثاني/ يناير وآذار/ مارس 1984 وضعت الولايات المتحدة ألغاما في المياه بموانئ كورينتو وإيل بلاف وبورتو ساندينو".
وأضاف: "ألا يذكركم هذا بشيء؟"، في إشارة إلى حادث خطوط أنابيب الغاز الروسية "السيل الشمالي" و"السيل الشمالي 2" في بحر البلطيق.

بالمقابل فإن القادة الأوروبيين نأوا بأنفسهم بصورة معيبة، ووضعوا رؤوسهم في الرمال أمام شعوبهم التي ينتظرها شتاء قاس وارتفاع مخيف في فاتورة التدفئة، إضافة الى الفاتورة المعيشية المتعاظمة وسط صراخ بات يملأ شوارع دول أوروبية. إلا أن أصواتًا أميركية لها وزنها لم تتردد في توجيه أصابع الاتهام الى الاستخبارات الأميركية بالوقوف وراء الجريمة ولو مع ارتداء قفازات شفافة. وفي هذا السياق صرح السيناتور الأمريكي السابق ريتشارد بلاك بأن تفجير أنابيب السيل الشمالي جرى من قبل وكالة الاستخبارات المركزية بموافقة المستشار الألماني أولاف شولتز. وفسر ريتشارد بلاك ما يرمي اليه حرفيا: "يبدو أن المستشار الألماني شولتز يظهر القليل من الإخلاص أو المودة للشعب الألماني وغير مهتم بتهديد الاستقرار المالي الذي يواجهه. تحت قيادته، قطعوا إمدادات الغاز الطبيعي، وأنا بصراحة لا أستطيع أن أتخيل أنه سيسمح لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية أو أن يتفق مع وكالة الاستخبارات المركزية على تدمير خطوط أنابيب الغاز الألمانية. وفي نفس الوقت لا أعتقد ان الولايات المتحدة كانت ستفعل ذلك من دون موافقته". وشدد السيناتور السابق على أن ذلك مجرد تكهنات، إلا أن العديد من خبراء السياسة الخارجية يشاركونه شكوكه.

هذا الاتهام يوافق عليه الخبير الاقتصادي الأمريكي، "جيفري ساكس"، بأن الانفجارات التي وقعت في خطوط أنابيب "السيل الشمالي" من المحتمل أن تكون من تنفيذ الولايات المتحدة الأمريكية. وجاهر "ساكس" برأيه في مقابلة على قناة "بلومبرغ" مفسرًا أن "أوروبا تمر بتراجع اقتصادي حاد للغاية، وقد تفاقم انخفاض مستويات المعيشة بسبب ارتفاع الأسعار، إلا أن الشيء الرئيسي هو الانقطاعات في الطاقة أكثر من أي شيء آخر، والآن ومن أجل القضاء على ذلك تماما، قاموا بتدمير (السيل الشمالي)".

وبحسب قوله فإن هناك معلومات تفيد بأن مروحيات عسكرية أمريكية متمركزة في غدانسك البولندية كانت تحلق فوق تلك المنطقة، كما أشار "ساكس" كذلك إلى تهديدات الرئيس الأميركي جو بايدن بأن خط السيل سيُمنع من العمل، وكذلك تصريح وزير الخارجية الأمريكي، "أنتوني بلينكن"، بأن تلك "فرصة رائعة"، وحينما قاطعته المذيعة، قال الخبير إنه يعرف أن رأيه يتعارض مع "الرواية المقبولة عموما"، وأن مثل تلك الأشياء لا يجب التفوه بها في الغرب، مضيفًا أن محاوريه في أماكن مختلفة من العالم مقتنعون بمسؤولية الولايات المتحدة الأمريكية عما حدث، إن "مراسلي الصحف الذين يتعاملون مع هذه القضية اعترفوا بشكل خاص بذلك" إلا أن وسائل الإعلام الغربية صامتة حيال ذلك.

من جهته قال الباحث الأمريكي، "إريك زويس"، إن الولايات المتحدة فجرت خطي أنابيب الغاز "السيل الشمالي" لتحقيق منافعها. الحكومة الأمريكية فجرت أنابيب السيل الشمالي، التي تمتد من روسيا إلى أوروبا بعد سنوات من المحاولات الماكرة لتخريبها من خلال الطرق الدبلوماسية.. ستجبر أوروبا على دفع مبالغ زائدة بشكل كبير، ومن الآن فصاعدا، ستدفع الدول الأوروبية أعلى أسعار للطاقة في العالم لفترة طويلة على الأقل، بسبب تدمير خطوط أنابيب الغاز العملاقة".

لم يعد شيء مبهما، رغم ان الدول التي تمر في مياهها الأنابيب تحدثت عن اجراء تحقيقات، لا يبدو ان نتائجها ستكون في متناول العموم ، او الاطلاع عليها من الاعلام، لا سيما ان الامر سيزيد غضب الشعوب الأوروبية التي تتزايد نقمتها على أداء الحكومات في الانصياع للرغبات والشهوات الأميركية من الاخذ بمصائرها، وليس فقط مصالحها في عين الاعتبار، ولهذا الامر حسابات أخرى، ستكون في صناديق الاقتراع اذا مرّ الشتاء الأوروبي من دون براكين شعبية هائلة.

أما الحدث الثاني، فقد جاء موازيا للأول، مع إعلان واشنطن عن غضبها، وخيبة أملها التي تحمل في طياتها تهديدا مباشرا لدول منظمة "أوبك +" التي قررت تخفيض انتاج النفط مليوني برميل يوميا، فيما تحاول واشنطن رفع الإنتاج، وتخفيض الأسعار، لتعويض جزء من النقص الذي تعانيه الدول الحليفة لها، الموعودة بالمن والسلوى الأميركية اذا سارت معها في طريق العقوبات ضد روسيا.

خيبة الأمل الأميركية عبر عنها الرئيس جو بايدن معتبرا قرار "أوبك+" "قصير النظر"، وهذا تعبير صارخ في التهديد تعتمده الإدارة الأميركية، لا سيما انه مسبوق بدعوة من النائب الأمريكي، "روح خانا"، إلى "الانتقام" من المملكة العربية السعودية إذا خفضت "أوبك" وحلفاؤها إنتاج النفط في محاولة لرفع الأسعار، الا ان تهديد وزير الخارجية الأميركية كان اكثر وضوحا وقال "فيما يتعلق بأوبك، فقد أوضحنا وجهات نظرنا لأعضاء المنظمة. نحن والسعودية لدينا العديد من المصالح المشتركة، وأعتقد أن الرئيس بايدن صرح بها خلال رحلته إلى المملكة وهي تشمل كل شيء: العلاقات الإقليمية، بما في ذلك تحسين العلاقات بين بلدينا وإسرائيل.. الخ".

لقد حاول بلنكن بموازاة التهديد الإيحاء بانه يحصر الخيبة بالطبيعة الاقتصادية، القائمة على العرض والطلب، لكن مع إبقاء السيطرة على أسعار السوق للإدارة الأميركية تماما مثلما تريد تحديد سقف لأسعار المنتجات الروسية، لكن السكرتيرة الصحفية للبيت الأبيض كارين جان بيير، ربطت الامر سياسيا بقولها "أن تحالف "أوبك +" يتخذ موقف تضامنيا مع روسيا من خلال اتخاذ قرار "خاطئ" بخفض إنتاج النفط في ذروة النزاع بأوكرانيا".

إن قرار خفض الإنتاج من قبل المشاركين في اتفاقية "أوبك +" يشير إلى مزيد من التدهور في العلاقات بين السعودية والولايات المتحدة، وتراجع جديد لنفوذ واشنطن في المنطقة، وسط تنامي الطروحات السعودية بالتعامل مع قضية الطاقة في سياق الصراع مع واشنطن.

وفي السياق عبر عضو مجلس النواب الأميركي، "روح خانا" عن النظرة إلى السعودية في الكواليس الأميركية: "إنهم (السعوديون) يستنزفون الشعب الأمريكي بصورة نشطة ويزعزعون استقرار الاقتصاد، هذا الأمر فظيع ببساطة.. من يظنون أنفسهم؟"، السعودية ليست حليفا لنا. ويجب التعامل مع السعوديين بقسوة. "إنهم قوة من الدرجة الثالثة، نحن أقوى دولة في العالم.."، داعيا الرئيس بايدن، إلى أن يوضح للسعودية "أن الولايات المتحدة ستقطع إمدادات قطع غيار الطائرات والبيع لها. يمكننا أن نضع قوتهم الجوية على الأرض في يوم واحد".

بلا شك أن الولايات المتحدة المذعورة تحاول أن تجد مخرجًا من أزمتها المتفاقمة، ومحاولة اقناع الأوروبيين بان الإدارة الأميركية لن تتركهم بينما تعمل على استراتيجية حشو الأنابيب متفجرات واكاذيب واخضاع القريب والغريب، ولذلك أوعز الرئيس الأمريكي جو بايدن، بدعم السوق العالمية بـ 10 ملايين برميل إضافي من الاحتياطيات الاستراتيجية الأمريكية، ولكن باي أسعار ستكون للأوروبيين، الذين سيكتشفون من ورطهم وخانهم.

روسياالولايات المتحدة الأميركية

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة