آراء وتحليلات

 حرب الاستنزاف الروسية ضد الكتلة الامبريالية الغربية (3/3)

24/11/2022

 حرب الاستنزاف الروسية ضد الكتلة الامبريالية الغربية (3/3)

صوفيا - جورج حداد | خاص العهد

كانت جميع الأنظار مشدودة إلى الحصار الروسي لكييف، ووسائل الاعلام العالمية تنشر صور الاقمار الاصطناعية لقوافل الدبابات والمدفعية والصواريخ الروسية، التي تمتد عشرات ومئات الكيلومترات وهي متوجهة نحو كييف ووسط وغرب اوكرانيا، في الوقت الذي أعلنت فيه القيادة الروسية وقيادات المناطق الشرقية الأربع (دانيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوروجيه) عن اجراء استفتاء شعبي في تلك المناطق للانضمام الى الوطن الأم روسيا. وجرت عملية الاستفتاء "بهدوء" على مدى 5 أيام من 23 ولغاية 27 من ايلول/ سبتمبر 2022.

وفي حين كانت واشنطن ودول "الناتو" وآلة البروباغندا الأميركية تستعد مسبقًا لاقامة "الجنازات والمناحات" على كييف والنباح الهستيري ضد وحشية الروس الذين اقتحموا كييف (وهو ما لم يحصل)، ليس بدافع الشفقة على الاوكرانيين، بل لتبرير الفظائع التي ارتكبها الاميركيون وحلفاؤهم في افغانستان والعراق واليمن ولبنان وفلسطين وغيرها؛ في هذا الوقت، وأمام ذهول وارتباك العواصم الغربية، كانت موسكو "تخيب الآمال" المعادية لروسيا، وتستبدل اقتحام كييف بإقامة مهرجان كبير، بحضور بوتين وقادة "المناطق الروسية الأربع الجديدة"، احتفالًا بانضمام تلك المناطق إلى الدولة الروسية الأم، وذلك بالقرب من ضريح لينين، صاحب مشروع اقامة الدولة الأوكرانية بعد انتصار الثورة الاشتراكية الروسية في 1917، وهي ــ أي أوكرانيا ــ منطقة لم يكن لها وجود في السابق، كدولة، بل كانت جزءًا من الدولة الروسية.

وفي 3 تشرين الأول/ أكتوبر 2022 صادق البرلمان الروسي (الدوما) على انضمام تلك المناطق الى الدولة الروسية.

وفي 19 تشرين الاول/ أكتوبر 2022 أعلن بوتين "حالة الحرب" و"الاحكام العرفية" في دانيتسك ولوغانسك وخيرسون وزابوروجيه.

وبذلك انتهت مرحلة "العملية العسكرية الروسية المحدودة"، وبدأت مرحلة جديدة يمكن تسميتها بمرحلة حرب الاستنزاف الروسية ضد الكتلة الامبريالية الغربية بزعامة اميركا واليهودية الدولية". وفي هذه الحرب الجديدة بدأت روسيا بتطبيق "الخطة ب" (plan B)  لحرب الاستنزاف في أوكرانيا.

خلافا لـ"العملية العسكرية المحدودة" التي طبقتها روسيا في المرحلة السابقة، والتي توِّجت بانضمام الدونباس وخيرسون وزابوروجيه الى الوطن الأم، فإن المرحلة الجديدة من الحرب الراهنة أصبحت تتصف بأنها حرب استنزاف طويلة الأمد، قد تطول سنوات غير محددة، وهي حرب مركبة عسكرية ــ سياسية ــ اقتصادية ــ اعلامية. والهدف الجيوستراتيجي ــ الجييوبوليتيكي لها هو:

أولًا - وضع الكتلة الامبريالية الغربية بشكل متواصل على حافة الرعب من ضربة نووية روسية شاملة. ولهذه الغاية أعلن الرئيس الروسي الاستنفار النووي الشامل والدائم، طالما أن الحرب الأوكرانية مستمرة.

ثانيًا - استنزاف وتفكيك واضعاف الكتلة الامبريالية العالمية واجبارها على الرضوخ والاستسلام لاعادة بناء نظام عالمي جديد، تتنازل فيه الكتلة الامبريالية عن كل امتيازاتها وأشكال هيمنتها، وتسود فيه مبادئ الحرية والتعاون والتآخي بين جميع شعوب وبلدان العالم، كبيرها وصغيرها، وبناء المنظمات والمؤسسات الدولية التي تجسد هذه المبادئ. وإلا فإن الكتلة الامبريالية الغربية ــ اليهودية سيكون مصيرها الفوضى والخراب والدمار.   

وكما يرشح من الصحافة المعنية، يسير تطبيق "الخطة ب" (plan B) الروسية الجديدة ضمن الخطوط العريضة التالية:

1 ـ بعد تحقيق الهدف الجيوبوليتيكي "الخطة أ" (plan A) المتمثل في انضمام المناطق الاوكرانية السابقة الى الدولة الام روسيا، الانتقال الى تطبيق التاكتيكات العسكرية الميدانية لاستدراج القوات المعادية (الاوكرانية النازية والشوفينية والخبراء والمدربين والمرتزقة الاجانب)، وإيهام تلك القوات بامكانية اقتحام المناطق الروسية الجديدة، ومن ثم "تشجيع" القوات المعادية على الاحتشاد المتواصل على امتداد المناطق الاربع، للتمكن من ضربها وابادتها بجميع أنواع الأسلحة، حتى ذات "الموديلات" القديمة من المدفعية والدبابات وصواريخ كاتيوشا وغراد من موديلات الحرب العالمية الثانية، والفتك بتجمعات تلك القوات المعادية بالاسلحة والصواريخ الأحدث حينما ترى القيادة العسكرية والسياسية الروسية ضرورة لذلك.

2 - منذ سنوات طرحت القيادة الروسية مشروعها لتجديد وتحديث الجيش الروسي، في ما سمي "خطة 2030"، التي أعلنت وزارة الدفاع وقيادة الأركان الروسية والمجمع الصناعي الحربي ومجلس النواب (الدوما) موافقتهم جميعًا عليها. ودون التخلي عن الجيش الوطني الكلاسيكي القائم على نظام خدمة العلم، فإن "خطة 2030" تهدف إلى التوصل حتى ذلك التاريخ إلى تشكيل جيش روسي جديد، محترف كليًا، مؤلل وليزري ونووي والكتروني بالكامل، مؤهل في الوقت ذاته للقتال في البر والبحر والجو والفضاء الكوني، وهو ما سماه الأميركيون في القرن الماضي "جيش حرب النجوم". ولكن الأميركيين تكلموا عن "جيش حرب النجوم"، أما الروس فيعملون بشكل حثيث لتحقيقه.

وهنا يبرز السؤال: كيف سيتم التعامل مع الأسلحة الكلاسيكية القديمة أو التي يجري إخراجها من الخدمة، والمكدسة كالجبال لدى الجيش الروسي؟

حتى الآن كان يجري "تصريف" هذه الأسلحة بثلاث قنوات:

الأولى ـ البيع للدول والمنظمات غير المعادية، لاستخدامها للتدريب أو في المهمات الأمنية و"الحروب الصغيرة".

الثانية ـ تفكيكها واستخراج القطع التي يمكن استخدامها وبيعها كقطع غيار أو اعادة استخدامها في الصناعات الروسية والأجنبية الحربية أو المدنية.

والثالثة ـ تحويل ما يتبقى منها إلى خردة ومواد أولية لاعادة الصهر والتصنيع.

أما الآن فقد ظهرت امكانية استراتيجية جديدة لاستخدام و"استهلاك" هذه الأسلحة القديمة وذات الموديلات الخارجة عن الخدمة، وذلك باستعمالها في حرب الاستنزاف الحالية في اوكرانيا.

تستهلك روسيا بوجه الدول الغربية الأسلحة التي كانت بالأساس تعمل للتخلص منها. وفي الوقت ذاته فإن روسيا تجبر أميركا والدول الناتوية أن "تكشف" بالتدريج عن كل اسلحتها الجديدة، وهو ما يسهّل على روسيا القضاء بالتدريج على تلك الأسلحة، لأنها ـ أي روسيا ـ تمتلك مروحة كاملة من الأسلحة القديمة فالأقل قدمًا فالحديثة فالأحدث فالأكثر حداثة فالمذهلة التي لا مثيل لها في العالم.

ولذلك فإن روسيا غير مستعجلة في تحقيق النصر النهائي، بل إن مخططها الاستراتيجي يقوم على الاستنزاف طويل الأمد لأميركا والدول الناتوية والغربية جميعًا.  

3 ـ حينما بكى رئيس الوزراء اللبناني السابق فؤاد السنيورة في حرب تموز/ يوليو 2006، فهو طبعًا لم يبك على تهديم البنية التحتية التي دمرتها "اسرائيل" بوحشية منقطعة النظير، بل بكى لأن "اسرائيل" لم تحقق الهدف الذي كان ينتظره هو وأمثاله، وهو تدمير قوة المقاومة الاسلامية الوطنية بقيادة حزب الله. ويومها توسل السنيورة و"السياديون" اللبنانيون أمثاله، الولايات المتحدة الأميركية أن تطلب من "اسرائيل" متابعة حربها الوحشية في لبنان. ولكن القيادة الاسرائيلية، كانت قد أذهلتها الضربات الجوابية للقوات الباسلة للمقاومة، ضد المواقع المعادية في الأراضي المحتلة، العسكرية وغير العسكرية. وتحت تأثير هذا الذهول، بدت القيادة الاسرائيلية أكثر حرصًا على "شعبها" من حرص السنيورة واضرابه على ما يدعون أنه "شعبهم". فطلبت ـ أي القيادة الاسرائيلية ـ وقف اطلاق النار، أولًا وقبل الجانب العربي، وذلك ما يحدث لاول مرة في تاريخ الحروب العربية ــ الاسرائيلية.

هذا هو معدن وديدن الخونة والعملاء والدواعش، فآخر ما يهم هؤلاء الخونة هو مصير ما يدعون اعلاميا أنه "شعبهم".

والملياردير الصهيوني إيغور كولومييسكي، ودميته الصهيوني فولودومير زيلينسكي، والفاشست والصهاينة وعملاء المخابرات الاميركية والناتو الاوكرانيين، لا يختلفون بشيء عن الخونة والعملاء في غير بلاد. فبعد الضربات التي تلقوها على جميع الاراضي الاوكرانية، وخصوصًا بعد انضمام مقاطعات شرق أوكرانيا الأربع إلى الدولة الأم روسيا، عمد النازيون والصهاينة الاوكرانيون إلى تطبيق خطة قتالية خبيثة، بايعاز وتنسيق ودعم من قبل المخابرات الأميركية والناتوية والاسرائيلية، وهي خطة نشر القوات الاوكرانية التابعة لهم في جميع المواقع المدنية في جميع المدن والبلدات الاوكرانية، متخذين من المواطنين المدنيين دروعا بشرية لهم، معتبرين أن ذلك سيوقع القوات الروسية في ورطة استراتيجية هي ايقاع خسائر كبرى في صفوف المدنيين الاوكرانيين في حال مهاجمة أي بلدة او مدينة. ولكن هؤلاء الخونة ارتكبوا خطأ استراتيجيا كبيرًا، وهو أنهم حينما نصبوا ما اعتقدوا أنه فخ للقوات الروسية، فإنهم هم الذين وقعوا في الفخ الذي كانت تريد ايقاعهم فيه القيادة الروسية.

 فهدف القيادة الروسية بموجب "الخطة ب" (plan B) ليس اقتحام كييف أو غيرها من المدن الاوكرانية، بل:

ــ الدفاع الفعال والمتحرك عن القرم والمناطق الاربع التي انضمت حديثًا إلى الدولة الأم روسيا، واستدراج القوات المعادية إلى الخط الحدودي لتلك المناطق وتحويل الجبهة المتحركة في هذا الخط الى مقبرة للقوات المعادية.
 
ــ "الاستفادة" من انتشار القوات المعادية في المواقع المدنية في المدن والبلدات الاوكرانية "للتسلية" بضرب تلك المواقع يوما بعد يوم بعدد محدود من الصواريخ، وما لذلك من تأثير نفسي أكثر بكثير من النتائج العسكرية المباشرة للقصف؛ ومن ثم تعطيل المرافق العامة جميعًا، فلا مطارات، ولا كهرباء، ولا اتصالات، ولا انترنت، ولا سكك حديدية، ولا مواصلات عامة فيما بين المدن وداخل كل مدينة، ولا نظام صحيا، ولا نظام تعليميا، ولا أسواق، ولا سوبرماركات، ولا مصانع تعمل، ولا مؤسسات حكومية وبلدية واجتماعية، وغير ذلك من أوجه الحياة المدنية.

وبالنتيجة فإن جميع الاراضي الاوكرانية "غير المحررة" سيجري تحويلها شيئًا فشيئًا إلى "بلد ميت" أو "دولة ميتة". وأمام القيادات السياسية والعسكرية الروسية الكثير من الوقت للتفكير بكل هدوء ماذا ستفعل بجثة هذه "الدولة الميتة" على حدودها.

4 ــ استقبلت روسيا في مرحلة الصدام الحالية مئات الوف اللاجئين من المناطق الروسية الجديدة والاوكرانية غير المحررة. وقد منحتهم على الفور الجنسية الروسية بكل ما فيها من حقوق المواطنية، وقدمت لهم المساعدات المالية والانسانية لكي يستطيعوا الاستقرار والعودة الى الحياة الطبيعية هم وأطفالهمم وعائلاتهم. ومن جهة ثانية يجري في المناطق المحررة "الروسية الجديدة" اصدار القوانين والانظمة الضرورية بشكل حثيث، لأجل الدمج الاجتماعي والاقتصادي والصحي والتعليمي والخدماتي لتلك المناطق، بالدورة الحياتية للدولة والشعب الروسيين.

ولكن في هذا الوقت فإن ما بين 3 و5 ملايين اوكراني، المخدوعين بالبروباغندا الغربية حول "الجنة الرأسمالية" في أوروبا الغربية وأميركا، قد أخلوا بيوتهم ورموا بأنفسهم في موجة عارمة من اللاجئين الاوكرانيين إلى أوروبا الغربية. ودول أوروبا الغربية، وفوقها الولايات المتحدة الأميركية، التي ورطت الشعب الأوكراني في هذه الحرب والتراجيديا الانسانية الناجمة عنها، ملزمة أن تستقبل هؤلاء اللاجئين (الاوروبيين، ذوي الشعر الاشقر والبشرة البيضاء الناعمة والعيون الزرقاء) بغير ما "تستقبل" به اللاجئين الأفارقة والشرق أوسطيين أو الشرق اقصويين. علمًا أن الشباب الأوكراني متعلم وحاصل على الأقل على الشهادة الثانوية وحوالى نصفهم هم خريجو جامعات وعلماء ومهندسون وأطباء وتقنيون ومهنيون مهرة، أي أنهم يشكلون عنصر مزاحمة شديدة لليد العاملة "الوطنية" في جميع البلدان الاوروبية.

وهذا كله يعني أنه منذ هذه الموجة الأولى من اللاجئين الأوكرانيين إلى أوروبا، ستقع زلزلة حقيقية في سوق العمل في اوروبا، بكل ما ينتج عنها من ازمات اقتصادية واجتماعية وسياسية. وفيما بعد، ومع التحول الحتمي لاوكرانيا إلى معسكر كبير للاجئين، الذين يعيشون على المساعدات الخارجية، ستندفع موجات متتالية من اللاجئين الاوكرانيين نحو اوروبا. فكم ستتحمل الدول الاوروبية ومجتمعاتها واقتصاداتها المأزومة تبعات هذه الموجات من اللاجئين؟ وهذا ناهيك عن المساعدات العسكرية والمالية و"الانسانية"، التي تقدم إلى أوكرانيا، وبالاضافة إلى النفقات الباهظة جدًا لاعالة الجيش الاوكراني الذي رفعوا تعداده الى مليون جندي، والعداد هو في ازدياد.

إن المنطق التاريخي يقول انه سيحدث شرخ اجتماعي ــ اقتصادي ــ سياسي ــ قومي ــ عنصري في جميع البلدان الاوروبية، وزعزعة تامة للاستقرار السياسي والامني فيها، وبالتالي تفكيك الاتحاد الاوروبي وحلف الناتو من الداخل، ووقوع الشقاق بين أوروبا وأميركا.  

5 ــ روسيا هي بلد كبير تبلغ مساحته 17.074.000 كلم مربع، من أصل 150.202.000 كلم مربع مساحة اليابسة في الكرة الارضية. أي أن المساحة الروسية تبلغ نسبة 11.367% من مساحة العالم.
وعدد سكان روسيا هو 143 مليون نسمة (احصاء 2021)، وارتفع الى نحو 153 مليون نسمة (بعد انضمام القرم والمناطق الاوكرانية الاربع). وهذا يمثل نسبة 1.913% فقط من سكان الارض البالغ عددهم 7،837 مليار نسمة (احصاء 2021). والكثافة السكانية في روسيا تبلغ 8.4 نسمة لكل كيلومتر مربع، في حين يبلغ معدل الكثافة السكانية في أوروبا (بما فيها القسم الاوروبي من روسيا الذي يشكل 40% من اوروبا) 67 نسمة تقريبًا لكل كلم مربع. اما في الاتحاد الاوروبي فتبلغ الكثافة السكانية 114 نسمة في الكلم المربع.

وتوجد في روسيا كل ما يسمى علميًا "لائحة مندلييف" للعناصر الكيميائية والذرية والمعدنية، بما فيها من معادن نادرة لا توجد إلا في روسيا. ويوجد في روسيا مخزون لا ينضب من الطاقة الاحفورية واليورانيوم والمناجم لجميع انواع المعادن وحوالى 25% من المياه العذبة في العالم. وتمتلك روسيا قاعدة صناعية وعلمية شاملة وضخمة ومتقدمة جدا، وصناعات مدنية وعسكرية متنوعة في جميع القطاعات، وشبكة مواصلات هائلة (طرقات برية وبحرية ومرافئ ومطارات ومحطات سكك حديدية وباصات)، واراضيَ زراعية تطعم العالم كله وتفيض.

والاقتصاد الروسي هو اقتصاد انتاجي واقعي، وليس اقتصادًا ريعيًا، افتراضيًا، وهميًا، بورصويًّا  كالاقتصادات الغربية. والرأسمال الاحتكاري الكبير في روسيا يخضع بإذعان للدولة، بعكس الاقتصادات الغربية، التي تخضع فيها الدولة للرساميل الاحتكارية الكبرى. (للمثال: كان الملياردير اليهودي ميخائيل خودوركوفسكي يملك شركة يوكوس برأسمال معلن 900 مليار دولار، ويسيطر على قطاع النفط والغاز والالومنيوم وغيرها، وحينما اراد ان يتلاعب على الدولة، ذهب شرطي وسلمه ورقة استدعاء الى المدعي العام، فذهب كالتلميذ الشاطر الى الاستنطاق، فأصدر المحقق امره بالقبض عليه، فمد يديه الناعمتين لرجل الشرطة الذي وضع فيهما "الكلابجات" واقتيد الى المحكمة، وحكم عليه بالسجن 8 سنوات، وقبل نهاية مدة الحكم احيل للمحاكمة بتهمة جديدة فحكم عليه بالسجن 20 سنة اضافية، وصادرت الدولة شركته واملاكه بكل هدوء. وبعد ان تدخلت المانيا للافراج عنه، تم تسفيره اليها مقابل التعهد بأن لا يطالب بأي شيء، ولا يدلي بأي تصريح او كلمة ضد روسيا. وهذا ما كان. وهو اليوم يعمل سمسارا لتسويق الغاز الروسي في المانيا وعبرها. أما حينما حاد الرئيس الاميركي الاسبق جون كيندي ميلليمترًا واحدًا عن مقررات الاحتكارات الأميركية بخصوص السياسة المتبعة حيال كوبا، فقد قتل في تكساس في وضح النهار وأمام عدسات جميع تلفزيونات العالم وعلى مرأى من ملايين الاميركيين وجيش كامل من الشرطة ورجال الامن. وحتى اليوم، بعد اكثر من 60 سنة لم يكتشف لا القاتل ولا الطرف المخطط لقتل الرئيس جون كيندي. وهذا طبعا يسمى "ديمقراطية" و"قضاء" من الطراز الأميركي).

وحاجة الدولة الروسية للعملات الأجنبية الصعبة لا تتعدى ضرورات جزء محدود من التجارة الخارجية، التي تمثل بدورها جزءا من الاقتصاد الروسي. وكل العقوبات التي فرضتها اميركا والدول الغربية على روسيا منذ 2008 إلى اليوم أعطت نتائج عكسية تمامًا. فاحتياطي البنك المركزي الروسي من العملات الأجنبية كان يقدر بـ300 مليار دولار في 2008، فبلغ 500 مليار دولار في 2014 (تاريخ انضمام القرم الى روسيا). وارتفع إلى 700 مليار دولار في 2022 (تاريخ انضمام المناطق الاوكرانية الشرقية الى روسيا). وعشية بداية الحرب الأوكرانية الحالية كان سعر الدولار الأميركي حوالى 124 ــ 125 روبلا روسيا. أما الآن، وبعد هذه الأشهر من الحرب، فهو لم ينهر أمام الدولار كما بدأ اليورو في الانهيار، بل أصبح سعر الدولار الآن يتراوح بين 57 ــ 62 روبلا روسيا، وهو يتجه نحو الهبوط أكثر.

بهذه المعطيات، فإن الدولة الروسية تخوض الحرب الاوكرانية، بجانبها الاقتصادي ــ الاجتماعي، كمعركة "جزئية"، "هامشية" و"خارجية" تماما، ليس لها أي تأثير سلبي على الاقتصاد الروسي.

6 ــ بالنسبة الى أوروبا فإن الأمر معكوس تمامًا. فأوروبا هي "قارة" أو جزء رئيسي من قارة "طفيلية" تعيش، ومنذ أيام روما القديمة، على استعباد واستعمار ونهب واستغلال الشعوب الأخرى المظلومة، من شواطئ الأطلسي القريبة في افريقيا، إلى أعالي جبال هملايا في الشرق الأقصى.

ولسوء حظ هذه الـ"أوروبا" فإنها مضطرة لأن تتحمل نفقات تسليح الجيش الأوكراني العميل، وإعالة 45 مليون أوكراني وأكثر. ولم تعد أوروبا تستطيع الآن، كما كان الأمر في السابق، أن تنهب افريقيا والشرق الأوسط والعالم الهندي والعالم الصيني. ومع استمرار الحرب في اوكرانيا، وحتى اذا لم تتوسع، مما هو مرجح أكثر، فإن الحاجة الى الطاقة والى المواد الخام والى المواد الغذائية والى الاسواق، ستدفع جميع الاقتصادات الاوروبية الى الانهيار بشكل كارثي، وستبدأ المجاعة  تضرب أكثر البلدان الأوروبية تطورًا خلال الاشهر والسنوات التالية.

7 ــ أعلنت القيادة الروسية، بلسان الرئيس بوتين شخصيًا، الاستنفار الكامل والشامل لخوض الحرب النووية في أي لحظة؛ ودون ذلك تخوض روسيا الحرب الكلاسيكية التي بدأت في أوكرانيا، بشكل تصعيدي مسيطر عليه، ولن تنتهي هذه الحرب إلا في واشنطن. وتصعّد روسيا الحرب وستوسعها تدريجيًا لاستدراج حلف الناتو لكشف كل خططه وكل أسلحته، والتفوق عليها وتحطيمها، واجبار أميركا على النزول مباشرة إلى الميدان، وتطوير صناعة خشب التوابيت في أميركا، وتزويد الوحدات العسكرية الأميركية بهذا الخشب، وانشاء فرق متخصصة في صناعة التوابيت في كل فرقة عسكرية أميركية في أوروبا وغيرها، للقيام بواجبات "تبويت" القتلى من الجنود والضباط الاميركيين الذين لن يحصدوا إلا الموت بمواجهة الجيش والشعب الروسيين.  

8 ــ إن استدراج أميركا لخوض المعركة بطريقة مباشرة وغير مباشرة في أوكرانيا وما بعدها، سيساعد في كسر هيبة أميركا والاسراع في عملية طردها من الشرق الأوسط، واجبارها على تخفيف قبضتها عن الشرق الأقصى بمواجهة الصين وكوريا الشمالية، وتسهيل تقدم الصين لاسترجاع تايوان، وتقدم كوريا الشمالية لاسترجاع كوريا الجنوبية، وطرد الوجود الأميركي تمامًا من الشرق الأقصى، وبنتيجة ذلك محاصرة اليابان وخنقها اقتصاديًا واجبارها على التحول من قاعدة للامبريالية الأميركية والغربية في الشرق الأقصى، إلى دولة شرقية محايدة ومسالمة خاضعة للصين وكوريا اللتين كانت تستعمرهما في السابق.  

9 ــ ان الرأسمال الاحتكاري هو غبي وقصير النظر تاريخيًا. وهذا ينطبق أيضًا على الرأسمال الاحتكاري الأميركي. واليوم تفرك الاحتكارات الاميركية ــ اليهودية اياديها بفرح، لأن أزمات ومصائب أوروبا ستعود بالفائدة والأرباح الوفيرة على الاحتكارات الأميركية - اليهودية. ويرى العالم الآن كيف أن هذه الاحتكارات تستغل حاجة أوروبا إلى النفط والغاز لأجل إجبار البلدان الأوروبية على شراء الغاز الصخري الأميركي بأسعار تفوق كثيرًا جدًا أسعار الغاز الروسي وغير الروسي. وقد قامت المخابرات البريطانية بايعاز وتخطيط وتعاون من قبل المخابرات الاميركية بنسف انبوبي الغاز الروسي (السيل الشمالي 1 و 2) في بحر البلطيق، لتشديد الخناق على أوروبا. كما أوعزت الدوائر الأميركية لمحمد بن سلمان بالمشاركة والموافقة على قرار منظمة "اوبك بلاس" القاضي بتخفيض انتاج النفط مليوني برميل يوميًا، لمساعدة أميركا على اخراج مخزوناتها الاحتياطية من النفط وبيعها باسعار عالية، وبعد ذلك العودة لشراء النفط من قبلها بعد تخفيض الأسعار الدولية. وهذه بعض أمثلة عن استفادة اميركا من مصائب اوروبا، بسبب الحرب الاوكرانية، مباشرة او غير مباشرة.

ولكن هذا يحدث اليوم. أما غدًا، وحينما تضرب زلازل التضخم والغلاء وارتفاع كلفة المعيشة والبطالة والبرد والجوع والتشرد والامراض، والاضطرابات الاجتماعية والنزاعات السياسية والحروب الداخلية والبينية، القارة الأوروبية العجوز، فإن عشرات ملايين الأوروبيين سيوضبون حقائبهم ويفرون باتجاه الولايات المتحدة الأميركية، التي "اكتشفها" و"أسسها" أجدادهم من اللصوص وقطاعي الطرق وستمتلئ المطارات والمرافئ الأميركية باللاجئين الأوروبيين الذين يمكنهم السفر إلى أميركا وكندا من دون "فيزا" تأشيرة سفر. وأميركا ستكون مضطرة لاستقبال اللاجئين الاوروبيين؛ وإلا ستقع حرب مدمرة أوروبية ــ أميركية، وستضطر مختلف البلدان الأميركية للانضمام إلى روسيا ضد أميركا ومن يبقى معها. واذا أجبرت أميركا على استقبال 50 أو 100 مليون لاجئ أوروبي إليها، فسينفجر الاقتصاد والمجتمع الأميركيان من الداخل بشكل كبير.

10 ــ متى بدأت الاضطرابات الاجتماعية والمذابح العنصرية والدينية في شوارع واشنطن وغيرها من المدن الأميركية، من سينسى أنه خلف الجدار العازل الذي بناه ترامب على الحدود الاميركية ــ المكسيكية، يوجد (في اميركا الجنوبية) مئات ملايين الهنود الحمر، الذين بقوا أحياء وهم أحفاد وابناء جلدة سكان أميركا الأصليين، الذين قتل الغزاة الأوروبيون 112 مليونا منهم في أميركا الشمالية التي سيطر عليها اليهود والبروتستانت والانغليكانيون، وبنوا فوق جماجمهم وعظامهم ما يسمى "الولايات المتحدة الاميركية"؟

واذا كان اليهود الصهاينة غزاة فلسطين المظلومة، يتاجرون بالهولوكوست الهتلري لتبرير غزو فلسطين، فمن هو الأحمق، أو الحقير والسافل المتحامق، الذي يعتقد للحظة أنه يوجد هندي أحمر واحد في كل القارة الأميركية ينسى الجريمة الأكبر في التاريخ وهي اغتصاب أرض الهنود الحمر وبلادهم (التي سموها "اميركا" وسلخ جلود وابادة أكثر من 112 مليونا منهم؟ ومن الذي سيمنع مئات ملايين الهنود الحمر المجوّعين اليوم في أميركا الجنوبية من الزحف لاستعادة أراضيهم وبلادهم في كل أميركا الشمالية وصولًا إلى آخر نقطة في الاسكا؟

كيف ستتحمل أميركا الموجة القادمة من اللاجئين (الأوروبيين هذه المرة)؟

وكيف ستكون علاقات الهنود الحمر بعد استرداد أرضهم وبلادهم، مع الاوروبيين؟ هذا ما على الحاخامين اليهود الكبار وكل حكماء صهيون أن يسألوا عنه "يهواهم" وكليمه "موساهم"!
 
ــــــــــــــــــــــــــــــ
*كاتب لبناني مستقل

حرب الاستنزاف الروسية ضد الكتلة الامبريالية الغربية (2/3)

حرب الاستنزاف الروسية ضد الكتلة الامبريالية الغربية (1/3)

 

روسياالولايات المتحدة الأميركيةأوروباأوكرانيا

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة