نقاط على الحروف

العرب ومرحلة "ما بعد التبعية"

347 قراءة | 12:30

إيهاب شوقي
التفكير المنطقي والعلمي للخروج من الأزمات وحل المشكلات يتطلب تعريفا صحيحا للازمة وتوصيفا دقيقا للمشكلة، وكما يقال، فإن المشكلة المعرّفة جيدا، نصف محلولة.
ودوما مانطلق مصطلحات التبعية والعمالة وفقدان السيادة على انظمة خذلت قضايا امتها وخيبت امال شعوبها، وهي توصيفات بالطبع ليست بعيدة عن الواقع، ولكن وعند الرغبة في التعاطي الجاد مع هذه المشكلة، فإن التدقيق والتشريح الصائب والتوصيف الدقيق، هي حتميات ينبغي العمل الجاد على تحققها.
والسؤال هنا، هل ما نعيشه هو بالفعل حالة تبعية، ام فقدان للسيادة الوطنية، ام ان شيئا اخر جديدا تبلور ليشكل حالة جديدة يمكن ان  تسمى مرحلة "ما بعد التبعية"؟
ولأن الاجابة تحتاج ابحاثا مفصلة وجهدا جماعيا ربما للخروج بنتائج واقعية ودقيقة، تتخطى حدود مقال مختصر، فإننا سنحاول فقط القاء الضوء على بعض النقاط والاشكاليات كدعوة تأملية وبحثية، نرى ملائما ان يتحمس لها الباحثون.
بداية، انطلق مفهوم التبعية كمفهوم اقتصادي في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، وصدرت عنه عدة نظريات ماركسية ولعل من اشهر اصحاب نظرية التبعية: أندري غوندر فرانك، المفكر العربي سمير أمين، سرجيو باغو، فرناندو هنريك كاردوزو، سلسو فورتادو، وراوول بربيش.
ورغم وجود تمايزات وربما اختلافات بين أصحاب نظرية التبعية، الا ان هناك خطوطا عريضة يتفقون عليها يمكن اختصارها في ما يلي:
اولا: أن البلدان التابعة الفقيرة مجبرة على امداد البلدان الغنية بالمواد الأولية وباليد العاملة الرخيصة.
ثانيا: أن البلدان الغنية تعمل من خلال منطق الاذعان القانوني، حيث وضعت مجموعات من الإكراهات القانونية والمالية والفنية بما يجعل البلدان الفقيرة تدور في دائرة التبعية.
ثالثا: هذاه الاذعان ناتج عن التخلف التكنولوجي، وعدم نقل التكنولوجيا بين البلدان الغنية المصدرة لها والبلدان التابعة التي تعوزها تلك التكنولوجيا.
وهنا ينبغي التوقف عند مفهوم الغنى والفقر، فهل بلدان الخليج تعد من البلدان الفقيرة، وهل معظم البلدان العربية بصرف النظر عن النفط، تفتقد القدرة على التنمية المستقلة وادارة مواردها؟
في الواقع ان تجربة التحدي في مرحلة التحرر الوطني افرزت نماذج تنموية مبشرة ضربت المثل في امكانية الخروج من دائرة التبعية الاقتصادية، كما ان نماذج اخرى عانت الحصار، استطاعت تطوير اسلحتها وصناعتها وتقليص الفجوات التكنولوجية، ونموذج الجمهورية الاسلامية في ايران خير شاهدعلى ذلك.
هذا يقودنا الى مناقشة التبعية السياسية وهي مرتبطة بلا شك بالاقتصاد، ولعل القاء الضوء على بعض تعريفات القانون الدولي يوضح لنا بعض الامور:
على أساس مبدأ السيادة قسم علماء القانون الدولي العام الدول إلى قسمين، هما:
1ـ الدول كاملة السيادة.
2ـ الدول ناقصة السيادة، وهي دول شرعيتها الدولية غير كاملة، وفي حالتها تتولى الدولة المتبوعة إدارة علاقاتها الخارجية واحياناً بعض شؤونها الداخلية، وهي حالة ناتجة عن مخلفات الاستعمار الغربي في القرن التاسع عشر وحتى سبعينيات القرن العشرين، وتم تقسيمها الى:
أـ الدول التابعة:
ويقول خبراء القانون الدولي ان هذه الدول ليست على صورة واحدة أو مصالح محددة باطار معين. فقد تتمثل بالدول الخاضعة لدول أخرى خضوعاً شكلياً، كأن تكتفي بدفع اتاوة للدولة المتبوعة مع احتفاظها بحقها في إدارة شؤونها الداخلية والخارجية، أو خضوعاً جوهرياً، كأن تحرم السلطة المحلية من إقامة علاقات خارجية إلا تحت اشراف الدولة المتبوعة أو أن تخضع سياساتها الداخلية لتوجيه مندوبين من الدولة المتبوعة أو أن يكون للدولة المتبوعة حق تعيين واستبدال حكام الدول التابعة.
ب ـ الدول الخاضعة للحماية:
وهناك نوعان، أحدهما اختياري ناتج عن ضعف هذه الدول وشعورها بالخوف من دول أخرى ولمواجهة تلك المخاوف والحفاظ على وجودها قد تلجأ الدولة إلى طلب حماية دولة أخرى قوية!
والثاني استعماري، بسبب تعرض الدولة الضعيفة لضغوط دولة قوية تجبرها على الخضوع لحمايتها.
- الدول الخاضعة للانتداب:
تبنت الدول الاستعمارية نظام الانتداب في اعقاب الحرب العالمية الأولى، حيث جعلته تشريعاً دولياً - من خلال ميثاق عصبة الأمم، وكان هدف تبني هذا النظام هو التستر على استعمار الدول القوية لبعض الدول والشعوب الضعيفة
أـ الدول الخاضعة للوصاية.
وقد تبنى الحلفاء المنتصرون في الحرب العالمية الثانية نظام الوصاية ليحل محل نظام الانتداب، بعد ما انهارت عصبة الأمم وحلت محلها منظمة الأمم المتحدة، وقد نص ميثاق منظمة الأمم المتحدة على نظام الوصاية، الذي يعتبر من الأنظمة الاستعمارية غير المباشرة - كالحماية والانتداب ولقد منح هذا النظام الدول الوصية حقوقاً واسعة في إدارة الشؤون الخارجية والداخلية للدول والأقاليم التي اخضعت له.
ب ـالدول مقيدة السيادة:
وهناك نوعان من الدول مقيدة السيادة، هما:
أولاً: الدول المحايدة: وهي الدول التي تضع قيوداً على سيادتها الخارجية، حيث تلتزم بعدم إعلان حرب هجومية وعدم الانحياز لدولة أو دول أخرى وعدم الدخول في احلاف امنية.
ثانياً: الدول المرتبطة أو المتحالفة مع دول أخرى بمعاهدات غير متكافئة.
وبالنظر لدولنا العربية فاننا نراها رسميا ووفقا للقانون الدولي دولا كاملة السيادة!
اما واقعيا فهي مزيج يتراوح بين الدول التابعة والدول الخاضعة للحماية، وفي افضل حالاتها دولا مقيدة السيادة.
وبنظرة فاحصة على مفهوم السيادة في القانون والعرف الدولي نجد ان السلطة ذات السيادة تتميز بمميزات:
إنها سلطة تعلو جميع السلطات المحلية، وإنها سلطة اصلية وليست وكيلة أو وليدة سلطة أخرى، وإنها سلطة متفردة في اصدار الأوامر.
وبملاحظة السلطات في وطننا فانه رسميا هي سلطات ذات سيادة، رغم ان الحالة الواقعية لا يتحقق منها الا السيطرة الداخلية على الحالة السياسية والحزبية، بينما لا تعكس السياسات استقلالا او تفراد او نفيا لشبهة الوكالة.
هذه المميزات التي تتناقض بين ما هو رسمي وفقا للقانون الدولي وبين ما هو واقعي ويعود لحقب استعمارية، حيث التبعية والوصاية ووتقييد السيادة، ثم المستجدات التي ترافقت مع ذلك من اعلانات صريحة، مثل اعلان ترامب بان امريكا تقوم بحماية العرش السعودي دون رد، وكذلك الممارسات التي تخترق القانون الدولي، وتبعية الدول التابعة لبعضها البعض من حيث وجود تابع اقليمي كالسعودية، ويتبعه اخرون، هي مميزات لمرحلة مختلفة يمكن ان نطلق عليها "ما بعد التبعية".
وبالتالي فان مواجهتها لا تستدعي حلا تقليديا بثورة على نظام تابع مثلا وتحقيق الاستقلال، وانما تستدعي حلا شاملا يتتبع الوكلاء الاقليميين وسلاسل التبعية ومجالاتها، وثورة على القانون الدولي المناقض لنفسه والذي ارتضى ان يكون ستارا للوصاية والاستعمار والانتداب الجدد.