عاشوراء 2024

آراء وتحليلات

منطاد صيني يهزّ اميركا: بكين أصبحت في الداخل
04/02/2023

منطاد صيني يهزّ اميركا: بكين أصبحت في الداخل

د. علي دربج باحث وأستاذ جامعي.
 
تعيش واشنطن منذ  صباح أمس الجمعة  حالة من الرعب والاستنفار الأمني والعسكري والسياسي وحتى التشريعي،  في اعقاب وصول  منطاد صيني دونما اية عوائق او روداع الاراضي الامريكية، وتحليقه على ارتفاع عال فوق البر الرئيسي للولايات المتحدة التي خرجت عن طورها، وافتعلت ازمة دبلوماسية مع الصين، كانت اولى تداعياتها تأجّيل وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن زيارته إلى بكين، قبل ساعات فقط من الموعد المقرر لمغادرته، وهو مؤشر على مدى جدية إدارة الرئيس جو بايدن في التعامل مع الحادث واخذه على محملة الجدّ من حيث خطورته وتداعياته على امن امريكا .
 
وعليه، ووسط حالة من التوتر هذه التي تشهدها العلاقات بين البلدين، تناقضت رواية الطرفان لحقيقة هوية هذا المنطاد، ففي حين يقول المسؤولون الأمريكيون إن الهدف هو منطاد تجسس صيني، بالمقابل وصفه نظرائهم الصينيون بأنه "منطاد مدني" يستخدم بشكل أساسي لتتبع الطقس.

لكن ما يقض مضاجع واشنطن هو ان المنطاد كان جرى رصده من قبل السلطات الامريكية الثلاثاء الفائت ـــ شوهد فوق مونتانا، موطن بعض صوامع الصواريخ النووية بالولايات المتحدة، حينها نفى مسؤول دفاعي كبير فيها للمشرعين في الكونغرس، التقارير التي تحدثت عن وجود منطاد ثان في كندا وألاسكا، واعتبرها غير دقيقة. واضاف "من الواضح أنهم يحاولون إطلاق هذا البالون فوق مواقع حساسة ... لجمع المعلومات".

بموازة ذلك، كشف مسؤولون أمريكيون، أنه قبل وصوله إلى البر الرئيسي للولايات المتحدة، حلق المنطاد فوق جزر ألوشيان في ألاسكا وكندا، وتعليقا على ذلك وقال مسؤولون كنديون في بيان "إنهم يتخذون خطوات أمنية".

وما هو تاريخ استخدام الدول لمناطيد الهواء؟ وهل للصين سوابق مع أمريكا في هذا المجال؟  

لا تعتبر مناطيد المراقبة او التجسس شيئا جديدا، كان أول استخدام معروف لمناطيد الاستطلاع، من قبل الفرنسيين خلال معركة فلوروس عام 1794، عندما استخدموا للتجسس على القوات النمساوية والهولندية في ما يعرف الآن ببلجيكا.
 
وخلال الحرب الأهلية الأمريكية ، لجأ جيش "الاتحاد" الى مناطيد الهواء الساخن لتتبع تحركات القوات الكونفدرالية، واثناء الحرب العالمية الأولى استعمل قسم التصوير في الخدمة الجوية للجيش الأمريكي، المناطيد لإجراء المراقبة وتوفير الصور الجوية.

وفي الخمسينيات من القرن الماضي، أطلقت القوات الجوية الأمريكية مشروع "جينيتريكس"، الذي وصفته بأنه أول "عملية استخبارات عبر المناطيد المسيّرة على نطاق واسع وعلى ارتفاعات عالية"، مصممة لالتقاط صور فوق "الكتلة الأرضية السوفياتية".
 
أما بالنسبة للصين، ففي السنوات الأخيرة، استمر نشاط مناطيد المراقبة التابعة لها والتي شوهدت "عدة مرات خلال الاعوام الخمس الماضية  في المحيط الهادئ، بما في ذلك بالقرب من هاواي، وذلك باعترافات الامريكيين انفسهم.
 
ما هو حجم  المنطاد الصيني الذي ارعب القادة الامريكيين؟

في إفادة لأحد الجنرالات الامريكيين امام البنتاغون امس الجمعة، وهو عميد في سلاح  الجو ويدعى باتريك رايدر، اكد الاخير ان المنطاد يطير على ارتفاع حوالي 60 ألف قدم، مقرا بانه لا يمثل تهديدًا ماديًا أو عسكريًا للأشخاص على الأرض، وإذ اشار الى ان منطاد المراقبة هذا، الذي تحرك شرقًا من مونتانا، وهو موجود حاليًا فوق وسط الولايات المتحدة القارية" غير ان ما يطرح علامات الاستفهام هو قول الجنرال الامريكي ان "المنطاد من المقرر أن يبقى فوق البلاد لبضعة أيام".

على المقلب الاخر، وصف المسؤولون الامريكيون المنطاد بحجم حافلتين أو ثلاث حافلات تقريبًا، مع وجود أجهزة استشعار ومعدات تحتها. كما إن مسار المنطاد بحسب هؤلاء، مرّ عبر عدد من المواقع الحساسة، واوضحوا انه "كبير بما يكفي لان يحدث حطامه ضررا إذا تم أسقطاه فوق منطقة ما في امريكا".
 
لماذا لم تسقط  واشنطن المنطاد؟

أول شباط/ فبراير الجاري، اطلع الرئيس الأمريكي جو بايدن على قضية المنطاد وطلب من الجيش تقديم خيارات. غير ان القادة العسكريين نصحوا بشدة بعدم القيام "بعمل حركي" ــ أو إطلاق النار على المنطاد ــ خوفًا على سلامة المدنيين على الأرض الذين يمكن أن يصابوا بالحطام.

وبناء على ذلك، قال مسؤول الدفاعي كبير: "لقد كنا نراقب ذلك من خلال وسائل متعددة، بما في ذلك الطائرات المأهولة" ، مضيفًا أن الجيش لديه "سلطة كافية" لـ "القيام بأي شيء نحتاج إلى القيام به لحماية الشعب الأمريكي"، وهي سلطة تشمل التمكين التشريعي لاستخدام القوة ضد الطائرات بدون طيار.
 
لما قد تستخدم الصين منطاد تجسس ضد امريكا؟  

من المعروف أن الولايات المتحدة والصين تتجسس كل منهما على الأخرى ، لكن ما يثير وقلق وحيرة قادة البنتاغون هو حلّ لغز هذا المنطاد والهدف الرئيسي من ارساله الى الولايات المتحدة، خصوصا وان قدرات المنطاد بنظرهم، لا تبدو أعلى من" قدرات الأقمار الصناعية الصينية الحالية وغيرها من الأدوات.

بالمقابل يحتمل خبراء عسكريون امريكيون، ان الخطوة الصينية، قد تكون مردها الى حق المعاملة بالمثل، لا سيما أن الولايات المتحدة، كانت ارسلت على مدى عقود، طائرات تجسس على طول الساحل الصيني وأحيانًا فوق المجال الجوي الصيني لمراقبة الصينيين بطرق لا يمكنهم فعل الكثير حيالها. والآن يمكنهم اصبح بامكان بكين الردّ على هذه التصرفات، وهكذا جرى بواسطة هذه الوسيلة.
 
ماذا عن الردّ الصينيين على قصة المنطاد؟

في الحقيقة يمكن القول ان بكين حققت هدفا كبيرا في مرمى واشنطن التي هزّها هذا الحادث وعدته اختراقا خطيرا لأمنها القومي، وهو أمر يمكن قراءته بسهولة في مضمون التحذير الذي اطلقه مشرعون وقادة عسكريون وامنيون، وقالوا فيه من ان التهديد الذي تشكله الصين على الولايات المتحدة لم يعد يقتصر على الشواطئ البعيدة، بل اصبح في الداخل ودعوا الى العمل لمواجهته، "
 
بالمقابل جاء التعليق الصيني باردا بخلاف الردود الحامية لقادة واشنطن، حيث دعت بكين الى الاقلاع عن "التخمينات والإثارة". ومع أن وزارة الخارجية الصينية اعترفت بأن "المنطاد من الصين، لكنها نفت طبيعته العسكرية، موضحة انه عبارة عن منطاد مدني يستخدم لأغراض البحث، خصوصا  في الأرصاد الجوية ، مع قدرة محدودة على التوجيه الذاتي، لذلك انحرف المنطاد بعيدًا عن مساره المخطط له ".
 
أكثر من ذلك، استند الجانب الصيني في معرض شرحه للدخول غير المقصود للمنطاد إلى المجال الجوي الأمريكي، الى القوة القاهرة" ، في إشارة إلى نص القانون الدولي الذي يعفي الأطراف من المسؤولية في حالة حدوث تطور غير عادي وغير متوقع.

في المحصلة، إذا تمكنت الولايات المتحدة من إثبات أن هذا المنطاد تجسسي بأدلة دامغة ، فهذا يدل على أن الصين تتقدم بالفعل على الولايات المتحدة في تكنولوجيا هذا المجال".

التجسس

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات