تكنولوجيا وأمن معلومات

الضربة الصينية للحصار التكنولوجي الأمريكي على قطاع أشباه الموصلات
12/10/2023

الضربة الصينية للحصار التكنولوجي الأمريكي على قطاع أشباه الموصلات

نعمت الحمد

أعلنت شركة Huawei، خلال زيارة وزيرة التجارة الأمريكية "جينا رايموندو" إلى العاصمة الصينية بكين في زيارة عمل مدتها أربعة ايام، عن هاتفها الجديد في آخر شهر آب/ أغسطس من العام 2023 والمسمى Mate 60  pro. اللافت في الهاتف إمكانياته التي تضاهي هواتف الـ 5G، وهنا تكمن المفاجأة. فقد اتضح أنه يحوي معالج 7 نانومتر وقادر على التواصل مع الأقمار الاصطناعية وتحميل البيانات بسرعات مذهلة تتجاوز الـ 350 Mb/s  في الثانية الواحدة، وقد نفد من الأسواق بشكل سريع وذلك لمحدودية الكمية المعروضة.

هذه الامكانيات هي امكانيات هواتف الـ 5G ، وHuawei كانت تصنع حتى الآن هواتف 4G وفي حال فكرت بتصنيع الـ 5G فهي بحاجة لتقنيات متقدمة ومعالجات ليس أقل من 7 نانومتر، وقد جرت العادة أن شركات الهواتف المحمولة كانت عندما تعلن عن هاتف جديد تقوم بشرح مواصفات المعالج وهذا ما كانت Huawei معتادة على فعله لكنها في حالة هاتفها الجديد تكتمت عن الافصاح عن أي معلومات تتعلق بهذا المعالج وكيف قامت بتصنيعه أو شرائه. لكن الأخبار بدأت تغزو وسائل التواصل الاجتماعي عن تجربة الأشخاص الذين قاموا بشرائه.

فبحسب ما هو معلوم، العقوبات الأمريكية حرمت الصين من شراء أو تصنيع هذا الجيل من المعالجات والمفترض أن الأمريكيين قد سدوا كل الثغرات التي تسمح للصينين بتصنيعها.

ما الذي حدث؟ وكيف استطاع الصينيون تصنيع أو الحصول على هذا النوع من المعالجات مع أنهم ممنوعون من الحصول على التقنيات المتقدمة؟

في ظل حالة نقص المعلومات، ومن أجل أن يعرف الأمريكيون من أين استطاع الصينيون الحصول على هذا المعالج المتقدم أو كيف قاموا بصنعه، فتحوا تحقيقًا رسميًا بالأمر، وبدأت تظهر بعض المصادر والاجتهادات غير الرسمية التي تكشف لنا إلى حد كبير ما الذي حصل بالتحديد.

اعتقد الأمريكيون أنهم بعد تاريخ 22 تشرين الأول من العام 2022 حاصروا الصينيين من جميع الاتجاهات لكن من الواضح أن هناك ثغرة استغلها الصينيون، فهل أصبح لدى الصينين القدرة على صنع رقائق بتقنية الـ 7 نانومتر؟

لفهم الأمر كان لا بدّ من أن يتم التركيز على المعالج الموجود في الـ Mate 60 Pro وهذا الأمر جعل العالم أمام حقيقتين:

1. أن الصينيين استطاعوا صنع المعالج بأنفسهم وبالتالي نحن أمام قفزة صينية مذهلة في مجال صناعات الرقائق الإلكترونية، مما يعني أن الأمريكيين فشلوا في حصار قطاع التكنولوجيا الصينية.

2. أن المعالج ليس صناعة صينية وهو من مخزون الرقائق المتوفر لديهم والتي قاموا بشرائها قبل بدء الحصار الأمريكي.

تعاقدت Blomberg الأمريكية مع شركة Tech Insights الكندية المتخصصة في أبحاث أشباه المواصلات من أجل تفكيك الهاتف الصيني واستكشاف جودة المعالج الموجود ومحاولة معرفة من قام بتصنيعه.

كشفت تحليلات الشركة الكندية أن المعالج الموجود في هاتف Huawei هو معالج 7 نانومتر وقد تم صنعه من قبل شركة أشباه الموصلات الصينية المعروفة SMIC وهذا الأمر أحدث صدمة، إذ من المعروف أن هذه الشركة لديها القدرة على تصنيع معالجات الـ 14 نانومتر والتي هي من جيل أقدم بكثير من معالجات الـ 7 نانومتر مما جعل مستشار الأمن القومي الأمريكي جيك سوليفان يمتنع عن التعليق على هذا الأمر بانتظار المزيد من المعلومات من خلال التحقيق الرسمي والذي كانت تقوم به بشكل أساسي وزارة التجارة الأمريكية والتي قال المتحدث باسمها، محاولاً تبرير ما حدث، إن القيود المفروضة على Huawei منذ 2019 قد اسقطتها وأجبرتها على إعادة اختراع نفسها بكلفة باهظة على الحكومة الصينية.

فهل فعلاً سقطت Huawei وهي الآن تمتلك القدرة على انتاج هواتف تنافس هواتف Apple الأمريكية من خلال هذا المعالج؟ وكيف استطاعت شركة SMIC انتاجه؟

إن هذا الأمر لهو أمر محيّر خاصة وأنّ الصين ليس لديها الآلات التي تصنع هذا النوع من المعالجات.

لا بد من التذكير أنّ أول شخص بدأ باستهداف التكنولوجيا الصينية كان الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب الذي قام بالتركيز على Huawei وضغط عليها حتى دمر وجودها في صناعة الهواتف الذكية. وكان الصينيون يعتقدون أن الرئيس الأمريكي الحالي جو بايدن سيكون أكثر تفهماً وتساهلاً من ترامب لكن الذي حصل أنه كان أشرس وأكثر قساوة من ترامب في التعامل مع الصين، فترامب كان يستهدف شركات أما بايدن فاستهدف صناعات التكنولوجيا بالكامل، وأقوى خطوة كانت الإجراءات التي أعلنت عنها وزارة التجارة الأمريكية في تشرين الأول/ أكتوبر 2022 عبر إصدار مجموعة من اللوائح تهدف الى تقييد قدرات الصين في شراء وتصنيع الرقائق الإلكترونية المتقدمة وكان الأمريكيون يهدفون من خلال هذا الأمر الى إعادة الصين عدة أجيال الى الوراء وضمان أنها لن تستطيع العمل على معالجات الـ 7 نانومتر أو الأحدث منها الـ 5 والـ 3 نانومتر.

لقد كانت اللوائح واضحة بمنع أي شركة في العالم من بيع أي آلة أو تقنية تستخدم في تصنيع الشرائح المتقدمة عن الـ 16 نانومتر دون أخذ إذن مسبق من وزارة التجارة الأمريكية.

ما فاجأ الأمريكيين أنهم لم يعطوا الترخيص لأحد بذلك وأيضاً الصينيون لم يكن لديهم هذا النوع من الآلات فكيف تم الحصول على معالج الـ 7 نانومتر؟

إن الآلات التي تستطيع صناعة الرقائق الإلكترونية أو المعالجات تسمى آلات الطباعة الحجرية (Lithography Machines) وهي على نوعين:

1. آلات الأشعة فوق البنفسجية العميقة (Deep Ultraviolet-DOV): هذه الآلات موجودة عند شركة SMIC الصينية وهي تشكل معظم آلات الطباعة الحجرية حول العالم وهي تستخدم في طباعة المعالجات ذات التقنية 14 نانومتر أو أقدم، وهناك ثلاث شركات تقوم بتصنيعها:

a ــ ASML الهولندية
b ــ Canon اليابانية
c ــ Nikon  اليابانية

2. آلات الأشعة فوق البنفسجية القصوى (Extreme Ultraviolet-EOV) وهي تستخدم في طباعة المعالجات الـ 7 نانومتر وما فوق وهي تصنع فقط من قبل شركة ASML الهولندية.

لتصنيع معالجات الـ 7 نانومتر لا بد من وجود ماكينات DOV ولكن شركة SMIC ممنوعة من الحصول عليها وبالتالي قامت الشركة بتعديل على آلات الـ DOV الموجودة لديها وهذه التعديلات سمحت لها بصنع معالجات الـ 7 نانومتر.

يبدو للوهلة الأولى من النتيجة التي أنجزتها شركة SMIC أن الصين قامت بتحقيق انتصار حقيقي على الأمريكيين، لكن هنا لا بد من الالتفات الى أمر آخر وهو معدل العائد (Yield Rate) والذي يرمز الى نسبة الشرائح السليمة من إجمالي الشرائح المنتجة.

تقوم فكرة صناعة الرقائق الإلكترونية على وضع أكبر عدد ممكن من الترنزيستورات على نفس الشريحة وبالتالي الشريحة تحوي مليارات الترنزيستورات وفي حال وجود خطأ في أي ترنزستور فإن الشريحة قد لا تعمل بشكل كلي أو تعمل لكن ليس بكامل كفاءتها.

إن كفاءة الشركات بانتاج الرقائق الإلكترونية تحتسب بإجمالي الرقائق السليمة من الرقائق المنتجة، فعلى سبيل المثال شركة TSMC التايوانية نسبتها 95% من شرائح الـ 7 نانومتر ومعنى ذلك أن 95 شريحة سليمة من أصل 100 وهذا الأمر غير موجود لدى SMIC الصينية فهناك معلومات وأبحاث تقول إن معدل العائد الخاص بها أقل من 50% وهذا أمر مفهوم كونهم يصنعون هذه الشرائح بآلات DOV وهذا العائد الضعيف سيصعب الأمر عليهم في انتاج هذا النوع من المعالجات بمعدلات تجارية بحيث إن كلفة انتاجها ستكون عالية بالمقارنة مع نظيراتها وسيتم تحميل الكلفة في النهاية على الزبون.

إن معدل العائد الضعيف لن يساعد كلياً على كسر الحصار الأمريكي عن الشركات الصينية رغم أنها محاولة شجاعة جداً من Huawei التي كانت في عام 2020 أكبر مصنع للهواتف الذكية في العالم متفوقة على Samsung وApple. وفي حال استطاعت هذه الشركة الحصول على معالجات الـ7 نانومتر بكميات تجارية وبأسعار منافسة ستستطيع عندها منافسة شركة Apple بقوة على الرغم من أن Apple تستعمل حالياً في هاتفها Iphone14 معالج الـ 4 نانومتر ومن المتوقع أن هاتفها الجديد يستعمل 3 نانومتر المنتج من شركة TSMC التايوانية.

هنا لا بدّ من لفت النظر الى أنّ الأمريكيين يعملون حالياً على محاصرة المتنفس الأخير للصينيين، فاعتباراً من 1 أيلول/ سبتمبر 2023 لن تستطيع شركة ASML الهولنديةبيع ماكينات DOV الى الصين دون اذن من الحكومة الهولندية وذلك بعد ضغوط أمريكية عليهم.

التكنولوجيا

إقرأ المزيد في: تكنولوجيا وأمن معلومات