نقاط على الحروف

"الأعراب" هذه الخناجر المغمدة بظهورنا...!!

220 قراءة | 14:11

 خالد رزق(*)
أكثر من أي وقت مضى في نصف قرن ويزيد من سنين عشتهم، أرى اليوم كيف توأد فرص أمتنا في تبوء مكانة تليق بشعوب منطقة هي مهد أعرق الحضارات ومهبط وحي كل الأديان، وأكثر من أي وقت مضى أعرف بأن حالنا السيئ وهواننا بين الأمم وراءه كأشد المسببات حكام شبه جزيرة العرب الذين صارت تغني أفعالهم عن تقصي أنسابهم لنصل إلى أنهم أعراب لا عرب ..

و أكثر من أي وقت مضى صار كل وطني قومي مؤمن بمصيرية الحرب الوجودية القائمة علينا في اتصال كاد لا ينقطع منذ قامت في بلادنا ثورات التحرر من الاستعمار نهايات القرن الثامن عشر ـ ناقم ـ على هؤلاء و على كل من تحلق حولهم وماشاهم في غيهم متخلياً عن أسباب وعناصر القوة الفاعلة للأمة إرضاء لهم وقد ملكوا عليهم نفوذاً أقرب لما ملكه "شيالوك" مرابي شكسبير في رائعته تاجر البندقية على التاجر الكريم أنطونيو.

فالحق أنك إن جئت بطفل صغير ووضعت أمامه حساب قدرة وقوة هذه الأمة إن حُشدت وجُمعت في مقابل قدرة وقوة العدو الصهيوني ومن وراءه.. لأجابك على الفور لا يبقى هذا الكيان ليوم واحد..، والأكيد أن شيئاً من هذا لا يمكن أن يكون لسبب جوهري وحيد هو خضوع القسم الأهم من ثروات الأمة لسيطرة عائلات الحكم في جزيرة العرب غير خضوع أهل الجزيرة أنفسهم لأنظمة حكم عائلية أسرية، أنظمة مستبدة طاغية لا تليق بالزمن طمست هويتهم الوطنية والأممية.

هذه الأنظمة رغم تحريمها التفكير والرأي على أبناء بلادها.. ورغم استحواذها بغير حق إلهي وإنساني ولا قانوني ولا حتى متسق مع أعراف البشر على ثروات عرب الجزيرة، لم يكتفوا بنهب ثروات الأمة وإنما راحوا يوزعونها على أعدائها، ويخاصمون كل بلد وشعب وحركة تتبنى فكر المقاومة للعدو الذي إن زال لما سكتت عنهم الشعوب.

أنظمة الملك أميرية مشيخية ملكية سلطانية في بلادنا ليست كما أنظمة الملك القائمة في أي مكان بالدنيا، في الدنيا وعالمنا المعاصر تبقى قلة من هذه الأنظمة حتى في بلاد متقدمة بمعايير العلم و المعرفة و الحريات و الثروة ، ولكنها عندهم أنظمة تحصل على مخصصات متواضعة في صورة أجور ثابتة معروفة و معلومة للشعوب، وإلى ذلك هي إما تملك ولا تحكم بالمطلق وإما تملك وتحكم في حدود مشاركة شعبية برلمانية ويفوض عنها بالحكم وزراء من الأحزاب و التيارات السياسية التي يختارها الناس، أما عندنا فهي تدعي ملكية الأرض بما وبمن عليها وما في باطنها وببحارها وتمن على الشعوب بما يفيض عنها وتصادر الأكثر من الثروات كما تصادر حرية الشعوب، وأخيراً صارت تصادر المبادئ و أولها مبادئ الانتماء على هذه الأمة التي تفرض على كل فرد منها أول ما تفرض الإيمان بأن له ولمجتمعه و لبلاده دور في حرب النهاية الأمية من أجل مقدساتنا وفيها إيماننا بالرب و بالكرامة و بأننا حتى بشر .

في واحد من مؤتمراته الشعبية وقف الزعيم المصري الراحل جمال عبد الناصر ليشخص حال عرب الجزيرة تحت حكم آل سعود.. وتساءل: "هل" قال الإسلام بسيادة عائلة وهل قال إن تحصل عائلة على كل الثروات وتستعبد الناس، وهل أعطى الإسلام لأحد الحق قي سرقة أموال المسلمين؟؟ وأجاب بأن من يريد تطبيق الإسلام عليه توزيع الأموال على المسلمين ولا يقسم الشعب إلى عائلة وشعب، عائلة من الأسياد وشعب من عبيد..

لم يكن الرئيس عبد الناصر يتحدث في شأن آل سعود وحال أهل شبه الجزيرة معهم باطلاً ولا طمعاً في ثروة بلاد الحجاز ونجد إنما هو كان يتحدث في شأن أمة وما على كل فرد من شعوبها من دور في سبيل رفعتها.. وفي الحال السعودية التي تحدث عنها كانت العائلة التي أقامها الغرب على حكم عرب الجزيرة، هي الحائل بين الشعوب ودورها، والأكثر كانت هي من عادى كل حركات الاستقلال والتحرر والمقاومة والأنظمة التي آمنت بها على امتداد خارطة الوطن الأكبر وحتى ما وراءها من أصحاب المصير المشترك والمبادئ الواحدة الجامعة.

عبد الناصر مات منذ ما يقرب من نصف قرن ولم يتغير شيء في شأن هذه العائلة، اللهم إلا أنهم صاروا أشد فجوراً في الجهر بخياناتهم، وعداوتهم لبلاد المقاومة.. يتحدث آل سعود وصغار الخليج معهم في خصومة وحرب وجودية ليس مع العدو الصهيوني وإنما مع إيران القوة الأبرز من محور المقاومة التي لم تغادره ابداً، هم يتخذون من مزاعم المد الشيعي، أكاذيب أطماع فارس ستاراً لعدوانيتهم وخيانتهم التي صارت ملئ الآفاق، وهم يتذرعون بخلافات وتباين في مذاهب السنة والشيعة ويكفرون من المسلمين من يكفرون، متجاهلين أن لا شيء من فعلهم يقول بأنهم على الإسلام في شيء، وأنهم من المبدأ والمنشأ خالفوا نواميس الإسلام في الحكم وتوزيع الثروة وحتى في العلاقات بين البشر.

باختصار يسهل لمن يريد أن يقيم عليهم وعلى منهاج حكمهم وعيشهم وعلى وهابيتهم حجج الخروج عن كل شيء، المشكلة ليست في آل سعود وحدهم وإنما هي عامة في حال أكثر تلك الأسر الحاكمة، وهي مشكلة لا سبيل لتجنبها والتغاضي عنها، إذ دمر حكام الجزيرة العراق وليبيا ومن بعدهما سوريا ولبنان التي أرادوا بها الخراب لولا تصدي المقاومة لزبانيتهم وهزيمتهم في الجرود و غيرها والأسوأ شنوا العدوان الأبشع على الشعب اليمني وهم من تربت جماعات التكفير المسلحة في سيناء المصرية بأكنافهم وفي حظائرهم، وإن تجاهل ذلك حاكم المحروسة فربما لديه أسبابه المرحلية "و" مقدماً هي لا تقنعنا.

تخطئ الأنظمة الجمهورية المفترض بأنها وريثة الفكر المقاوم والقومي “و"بضرورات الواقع الجغرافية والتاريخية وحتميات الحفاظ على الوجود والإمساك بالمصير إن هي وتحت ضغط أي كانت طبيعته تحلقت وراء هؤلاء وسايرتهم في عدوانيتهم وإفك الخصومة السنية الشيعية المزعومة.. ولا أظنها إن أخطأت تستمر على خطيئتها، بهذا تقول حسابات المنطق وتقول معطيات الواقع ومصيرية القضية والمكان منها.  

 في مصر والحديث هنا عن الشعب والدولة بمؤسساتها ربما يبدو المشهد مخزياً، لكني أجزم ولأسباب كثيرة جداً أنه ليس ممكناً في شمال الوادي وجنوبه مصر والسودان تسويق فكرة استبدال العدو الصهيوني بإيران، ولا فكرة تأثيم وتجريم مقاومة الاحتلال، ولا فكرة امتلاك عائلة لبلد وتحكمها بمقدرات شعب تماما كما لا يمكن تسويق التنازل عن القدس أو التسليم بأن الحال القائم هو سلام مع العدو وليس هدنة وتحضير لحرب لا ريب آتية.

المقهورين والمغيبين من أهل جزيرة العرب، ربما يرضخون تسليماً بواقع لا سبيل للفكاك منه يسوقه عليهم حكامهم من عجز عن المواجهة وضياع كيانات البلاد والدول التي يحكمونها إن هي خرجت عن التبعية للأعداء، في حين أنهم في واقع الأمر يحرمون أهل هذه البلاد "أبناء أمتنا "من العمل في سبيل مجدها، ولا يحمون إلا ملك لا يستحقوه.. فالأصل أن يكون الحاكم هو الأكثر حرصاً على المجد لأمته وعلى الأمن والكرامة والرفاهة لشعبه وبذات الشعب وليس العكس، والأصل أنه خادم لشعب استخدمه وإلا ما الداع والمبرر لوجوده، فإن دارى عجزه بادعاء السيادة ثم ترك أمره للعدو نزع عنه الملك.. فلا وطن ولا شعب من بني الإنسان يمكن أن يقبل بأن يحكمه عدو ويسلمه مصير أبناءه.

المختلف في حالة الجمهوريات ومنها  أولها وأهمها وأكبرها مصر، في رصيد المواجهة وإن بقي مجمداً منذ ما بعد انتصار السادس من أكتوبر (تشرين الاول ) 1973، وذهاب السادات للقدس معترفاً للعدو المحتل بالوجود، أنها قامت في بلاد الحضارات القديمة بلاد كانت أول من أسس أنظمة الحكم دولاً وممالك، و لم تقم حضاراتها العظمى إلا على الحكم الرشيد فارتقت سقف الحضارة وقادت الأمم، بلاد في وجدانها كرامة المحاربين وأصحاب المجد والأصل العريق، وفي بلادنا هذي و أينما حللت منها في سورية لبنان العراق مصر، لا تستكين أبداً الشعوب أما المؤسسات فهي و في كل الأحوال ومهما أظهرت من تخاذل تبقي على القدر الأقل من القوة حتى أنها بالكاد تصمد وفي ذلك نلومها ولكنها تبقى صامدة وفي مخزونها المبدئي تدرك متى يكون التحرك في الاتجاه الصحيح ملحاً، فتعاجل إليه.

صار علينا أن لا نتحدث في شأن طائفي سني شيعي مسيحي درزي أباضي كلداني أزيدي، وأن نسقط تلك المؤامرة الخائبة التي لا تنطلي على عقل ضعيف حتى، فالحقيقة أننا نشترك جميعاً في مواجهة عدوان قائم من تحالف صهيوني غربي خليجي يدار من حجرات البيت الأبيض واقبية المخابرات الأوروبية و الغربية، ويتخذ من بلادنا في الجزيرة قواعد انطلاق ومن ثرواتها مدد لا ينقطع يصنع به ما يستخدمه لقتل شعوبنا، و لا شيء.. لا شيء على الإطلاق يدعونا لأن لا نتكاشف ونتصارح بأن آل سعود وزايد وحمد وخليفة وآل بوسعيدي، حكام بلا حق وشرعية صنف من البشر فاته الزمن، فإن أرادوا البقاء في الحكم عليهم أن يحددوا مواقعهم كرؤساء بلديات وأحياء يقومون على الخدمات العامة وفقط هذه الخدمات تلك قيمتهم بل أكثر من قيمتهم في فائدتهم للأمة، أما المواقف من الدنيا والمبادئ و قضيتنا المركزية، فإن تحدثوا فقط مجرد الحديث بشأنها يكون علينا إعادتهم للصواب(...).

لم يعد مستساغاً السكوت عن هؤلاء وقد صاروا أشد فجراً في خصومتهم من أعدى الأعداء، لم يعد ممكناً الصمت على من يدعون العروبة في حين أن خناجرها مغمدة بظهور الرجال إذ هم يقاومون ويقاتلون دفاعاً عن شرف الأمة ووجودها.
(*) نائب رئيس تحرير جريدة الأخبار ـ مصر