طوفان الأقصى

بعد ستة أشهر من الطوفان: المأزق الأميركي يتعمّق
03/04/2024

بعد ستة أشهر من الطوفان: المأزق الأميركي يتعمّق

بعد ستة أشهر على انطلاق عملية طوفان الأقصى والعدوان الصهيوني على قطاع غزّة، أوّل سؤال يتبادر إلى أذهان الجمهور هو إلى أين وصلت المعركة وكيف ستنتهي؟

لا بد لنا بداية من تقييم سريع للنتائج التي أفرزتها المعركة طوال تلك المدة. وأول ما يجب قوله إن وجه المنطقة قد تغير كليًا لجهة النفوذ والسيطرة، وخير دليل على ذلك هو أن واشنطن التي كانت تولي اهتمامها وفقًا لاستراتيجيتها المعلنة في السنوات الأخيرة لكلٍ من شرق أوروبا وجنوب شرق آسيا لمواجهة الصين وروسيا، على أن تترك المنطقة في عهدة "إسرائيل" بعد إنجاز اتفاقيات التطبيع وتصفية القضية الفلسطينية وتشكيل حلف النقب وإنشاء الممر الاقتصادي الهندي الشرق اوسطي الأوروبي، فوجئت بملحمة "طوفان الأقصى" التي أجهزت على مشاريعها الإقليمية مجتمعةً ودفعت بها لإعادة جدولة اولوياتها الاستراتيجية، وهو ما بدا واضحًا من دخول واشنطن على خط الصراع بشكل مباشر سياسيًّا وعسكريًا.

وعلى الرغم من ذلك، لم تستطع واشنطن منع ظهور خريطة نفوذ جديدة في الإقليم بفعل "طوفان الأقصى". وأهم ملامح تلك الخريطة تمثلت بتحول البحر الأحمر وبحر العرب والمحيط الهندي والخليج العربي وشرق المتوسط، وكلّ نقطة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والوجود الأميركي في الأردن وسورية والعراق، وما يلحق بكلّ ذلك في المجالات الجيواقتصادية والجيوسياسية والطاقوية، كلّ ذلك بات ضمن قوس استهدافات محور المقاومة، وأن هذا المحور ثبّت مكوناته كقوى فاعلة ومؤثرة ومقررة على الصعيد الإقليمي والدولي.

وهذا يعنى في ما يعنيه بأن محور المقاومة يستطيع فرض شروطه في حال تم تثبيت تلك النتائج، والبناء عليها لتحقيق مصالحه وفرض شروطه التي تخص القضايا الإقليمية بل وحتّى العالمية.

انطلاقًا من ذلك يمكننا قراءة وفهم ما تقوم به واشنطن و"تل أبيب" وما يتبعهما من مواقف دول التطبيع العربية وغير العربية، وحالة الهيستريا والتخبط والإجرام التي وصلوا إليها.

إن الفشل الأميركي الصهيوني على الصعيد الجيوسياسي والجيواقتصادي، شكل نتيجة طبيعية للفشل الميداني سواء لجهة عدم القدرة على تصفية المقاومة في غزّة أو لجهة الفشل بالتصدي لجبهات الإسناد، وترافق ذلك مع فشل سياسي ودبلوماسي، كان يهدف لتحقيق انتصار عجزت عنه آلة الحرب المدمرة، دفع واشنطن و"تل أبيب" إلى اللجوء للتلويح بتفجير المنطقة، عبر سياسات الاغتيالات والتفجيرات التي طالت العديد من القادة الميدانيين ولم يسلم منها المدنيون في لبنان والعراق وسورية وإيران واليمن، والتي كان آخرها العدوان على القنصلية الإيرانية في دمشق في انتهاك واضح للمواثيق والأعراف الدولية أدى لارتقاء عدد من الشهداء الإيرانيين والسوريين ومن بينهم الشهيد القائد في الحرس الثوري الإيراني العميد محمد رضا زاهداني.

إن اليأس الأميركي الإسرائيلي من إمكانية الحسم في الميدان والسياسة جعل واشنطن تضغط لإيصال الصراع إلى حافة الهاوية ظنًا منها بأن ذلك سيدفع بمحور المقاومة للتراجع، فواشنطن لا تستطيع القبول بوقف إطلاق النار وفقًا للوقائع والنتائج الحالية التي وصل إليها الصراع، لأن قبولها بذلك يعني هزيمة مدوية لها ولـ"إسرائيل" ولحلفاء التطبيع.

بعد ستة أشهر من الطوفان: المأزق الأميركي يتعمّق

تتبادل واشنطن و"تل أبيب" الأدوار بتنسيق مفضوح ومكشوف بينهما، وفي الوقت الذي تستمر فيه فيه "تل أبيب" بالتلويح باقتحام رفح وتدعو لإدخال قوات من دول التطبيع العربية إلى غزّة بإشرافها، فإن واشنطن تطرح خطة أخرى تتضمن اللجوء لعمليات القصف الجوي لرفح وإحكام حصارها ومراقبتها وتدعو لوضع القطاع تحت سلطة حكومة محمود عباس الجديدة التي تم تشكيلها بالتنسيق مع واشنطن خصوصًا.

تعتقد واشنطن و"تل أبيب" بأن تمرير واحد من هذين الطرحين سيكون بمثابة التفاف على نتائج المعركة، وهروب من انعكاساتها المدمرة للاستراتيجيات الأميركية والإسرائيلية.

غير أن محور المقاومة الذي يقود معركته السياسية والميدانية بحكمة بالغة كان واضحًا حاسمًا في إفشال الطروحات الأميركية والإسرائيلية، وهو ما أكدته مواقف طهران التي استقبلت كلا من الأمين العام لحركة "الجهاد الإسلامي" ورئيس المكتب السياسي لحركة "حماس" في الأيام الماضية وأكدت من خلال تلك الزيارات بشكل قاطع بأن أهل غزّة هم من يقررون من يتولى الحكم فيها، وأن طهران مستعدة لتقديم ما يلزم للمقاومة الفلسطينية حتّى تحقيق النصر، وفي الوقت ذاته صدر بيان عن الفصائل الفلسطينية في دمشق أكدت فيه تلك الفصائل رفضها لدخول قوات من دول التطبيع العربية وأنها ستتعامل معها كقوات احتلال.

تلك المواقف الحاسمة لمحور المقاومة إذا ما أضيفت إلى أوراق القوّة الجديدة التي تم الزج بها في الميدان وعلى الأخص مؤخرًا المقاومة العراقية التي باتت تدك مدن وقواعد العدوّ الصهيوني بشكل شبه يومي ومؤثر وفاعل وعلى كامل التراب الفلسطيني المحتل عبر المسيّرات الحديثة وفي إطار ما يعرف بالمرحلة الثانية والتي يمكن أن تنتقل بعدها المقاومة العراقية إلى مرحلة ثالثة ورابعة من مستوى الردود، كلّ ذلك دفع بواشنطن و"تل أبيب" إلى المزيد من الهيستريا، وهو في الحقيقة ما يفسر الاعتداءات الهمجية الأخيرة على كلّ من دير الزور وحلب ودمشق.

لا شكّ بأن الردّ على تلك الجرائم قادم لا محالة، وهو ما أكدته البيانات الصادرة من طهران وبقية مكونات المحور، لكن يخطئ من يعتقد بأن هذا الرد سيعطي "إسرائيل" الفرصة لتغيير مسار المعركة ونتائجها وفق ما ترغب هي وواشنطن. إن ما يعني محور المقاومة اليوم هو الحفاظ على النتائج ومراكمة نتاىج جديدة، لأن تثبيت النتائج واستنزاف العدوّ له الأولوية، وهو ما سيؤدي بالنهاية إلى تحقيق النصر النهائي المطلوب سياسيًا وميدانيًا.

إقرأ المزيد في: طوفان الأقصى