آراء وتحليلات

نظام رأسمالية الدولة الروسي في مواجهة النظام الرأسمالي الإمبريالي الغربي (4)
14/05/2024

نظام رأسمالية الدولة الروسي في مواجهة النظام الرأسمالي الإمبريالي الغربي (4)

"رأسمالية الدولة" الروسية في العمل

إن "رأسمالية الدولة" في روسيا تعني: أن الدولة، كونها شخصية معنوية تتجسد في مجموع أجهزتها: التشريعية (البرلمانية والجمهوريات المستقلة ذايا الخ)، التنفيذية (الرئاسية والحكومية)، القضائية، الأمنيةن العسكرية، الإدارية، ومجموع هيكلياتها من الموظفين المدنيين والأمنيين والعسكريين. ولا يقتصر دورها فقط على إدارة شؤون الوطن والشعب، سياسيًّا وعسكريًا وأمنيًا وصحيًا وتعليميًا وثقافيًا الخ، بل كونها "الرأسمالي الأكبر" و"رب العمل" الأكبر الذي يمتلك الأرض ووسائل الانتاج تقع عليها إدارة استغلال الأرض الوطنية وجميع وسائل الانتاج الصناعية والزراعية والخدماتية الخ، في علاقة مباشرة مع القوى المنتجة، أي العمال والمزارعين والمثقفين والعلماء والخبراء، المنتجين. وهي تمتلك حق السيادة على القطاع الخاص ومصادرة وتأميم أي مؤسسة خاصة مهما كان حجمها وأيًا كان مالكوها.

ولكون الدولة الروسية هي المالك الأكبر لوسائل الإنتاج و"رب العمل" الأكبر في البلاد، من دون أي مزاحم، ومن دون إملاءات الرأسماليين الاحتكاريين الكبار الخاصين، وضدهم، فهي مخولة وقادرة أن تتحكم بـ"السوق" وبعملية الإنتاج والتوزيع والاستهلاك والتخطيط الواعي والمسبق لعملية الانتاج وتوجيهه وترشيده. ونظريًا تصبح القوى المنتجة، أي الجماهير الشعبية بمختلف فئاتها، هي مالكة وسائل الانتاج، عبر ملكية الدولة لوسائل الانتاج، بوصفها - أي الدولة-ـ ممثلة للمجتمع. وواقعيًا تصبح الدولة ممثلة وأداة للتيارات والمؤسسات السياسية والأيديولوجية والدينية والفكرية السائدة، وذات الشعبية الأكبر في المجتمع.

لقد كرست "الدولة الروسية" دورها السيادي الاقتصادي- الاجتماعي إلى جانب دورها السياسي والأمني والعسكري، في معركة شرسة ضدّ أصحاب الرساميل الاحتكارية الكبرى. ومن الأمثلة على ذلك:

1 ــ كان المافياوي اليهودي الصهيوني بوريس بيريزوفسكي أحد أكبر رجال الأوليغارخيا وأكبر أباطرة الإعلام في روسيا (ما بعد السوفياتية)، وأكبر داعم وممول للحرب الانفصالية "الإسلاموية" الشيشانية الثانية (1999 – 2009). وقد وُجهت ضدّه التهم بالفساد وتبييض الأموال، ففرّ إلى بريطانيا في 2001 حيث حصل على اللجوء السياسي وعلى الجنسية "الإسرائيلية". وغادرت عائلته إلى "إسرائيل" حيث بقيت تعيش هناك. وفشلت محاولات الحكومة الروسية في استعادته بالطرائق القانونية لمحاكمته. وبعد سحق التمرد الشيشاني في 2009، أسقط تمامًا بيد بيريزوفسكي، فأرسل "رسالة استرحام" إلى الرئيس بوتين طالبًا السماح له بالعودة إلى روسيا، ولكنه لم يتلق جوابًا لا سلبًا ولا إيجابًا. وفي آذار 2013 وجد ميتًا غرقًا في مغطس الحمام في شقته الفخمة في لندن، والتي كانت تحرسها الشرطة البريطانية على مدار الساعة. ولم تتهم الحكومة البريطانية أي طرف بقتله.

2 ــ في أعقاب ذلك؛ العديد من "اصدقاء" بيريزوفسكي من رجال الأوليغارخيا اليهود (ليف ليفابف ومايكل تشورني وغيرهما) فروا أيضًا من روسيا إلى "إسرائيل" وحصلوا أيضًا على "الجنسية الإسرائيلية"، بالإضافة إلى اللجوء السياسي في بريطانيا.

3 ــ في المرحلة ذاتها؛ كان الاوليغارخي اليهودي الروسي ميخائيل خودوركوفسكي يصول ويجول في روسيا قيصرًا غير متوج. وهو كان يعدّ أغنى رجل في روسيا والرقم 14 في لائحة أغنى أغنياء العالم، بحسب مجلة "فوربس" الأميركية. وكانت شركته "يوكوس" أكبر شركة خاصة في روسيا منذ عهد يلتسين، وكانت تملك نسبة 20% من إنتاج النفط والغاز في روسيا. ومن خلالها كان خودوركوفسكي ورجال الأوليغارخيا المقربون من بطانته يتحكّمون بالحياة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والإعلامية لروسيا. وفي سنة 2003 اتّهم خودوركوفسكي وشركته بالتهرب الضريبي، فوضعت الدولة يدها على شركته وألقي القبض عليه شخصيًا، وقدم للمحاكمة وحكم عليه بالسجن لمدة 8 سنوات. وقبل أن يستأنف وكلاؤه الحكم، وجهت إليه تهمة جديدة وحكم عليه بالسجن 20 سنة إضافية. وقامت المانيا بالتوسط له، فصدر عفو رئاسي عنه في آب 2014 (لأسباب "إنسانية"، وقيل حينذاك إن والدته كانت مريضة وفي حال ميؤوس منها). وتمّت الموافقة على مغادرته روسيا إلى المانيا مقابل ألّا يقوم بأي نشاط إعلامي - سياسي معاد لروسيا. وجاءت طائرة ألمانية خاصة، وحملته من موسكو إلى برلين. وأقام بعد ذلك في لندن. وعمل أخيرًا وسيطًا لبيع الغاز الروسي، والذي كان يضخ إلى ألمانيا، للبلدان الأوروبية الأخرى.

وتمتلك أجهزة الدولة الروسية، كلا باختصاصها، حق التدخل في شؤون وإدارة الاقتصادات الخاصة، بصفتها السياسية والرسمية كونها مؤسسات تمثل الدولة، أي عامة المجتمع والشعب والوطن. ولكن على أرض الواقع المعاش، وعلى الأعم الأغلب، لا تستخدم مؤسسات الدولة الروسية الحالية هذا الحق السياسي- القانوني الرسمي، بل هي تقود الحياة الاقتصادية في البلاد، عملًا بالقوانين الاقتصادية الرأسمالية ذاتها. وبكلمات أخرى؛ الرئيس بوتين نفسه، أو أي وزير معني، يمكنه ساعة يشاء أن يحضر اجتماعات مجلس إدارة أي شركة أو مؤسسة اقتصادية إنتاجية أو خدماتية الخ، روسية، وان يقرّ أو يطلب إلغاء أو تعديل أي قرار لمجلس إدارة تلك الشركة، وذلك ليس بصفته رئيسًا للجمهورية أو وزيرًا، بل بصفته ممثلاً للشركة- الأم مالكة حزمة الأسهم الأكبر في تلك الشركة أو المؤسسة.

نشير هنا إلى قناتين أو رافعتين رئيسيتين للاقتصاد الروسي:

القناة الأولى: هي المجمع الصناعي- الحربي الروسي، وهو يشمل لا الصناعة الحربية وتوابعها وحسب، بل يشمل أيضًا جميع مراكز البحاث والتجارب والصناعات الخاصة بقطاع الفضاء. فهذا المجمع، بجميع توابعه، هو محرك رئيس من محركات الاقتصاد الوطني الروسي العام. والدولة الروسية تمتلك 100%، وعلى الأقل الحزمة الأكبر من أسهم رساميل كلّ شركة أو مؤسسة خاصة بهذا المجمع أو متفرعة منه.  

القناة الثانية هي شركة غازبروم للنفط والغاز؛ أنشئت شركة "غازبروم" في العام 1989 عندما حولت وزارة صناعة الغاز في الاتحاد السوفياتي السابق نفسها إلى شركة، مع الاحتفاظ بملكية أصولها كلها. وفي وقت لاحق، خُصّص جزء من الشركة، مع احنفاظ الدولة بحزمة الأسهم الأكبر في أي شركة متفرعة منها. وفي الوقت الحالي، تسيطر الحكومة الروسية على أغلب أصول شركة غازبروم العملاقة.

وفي العام 2011، أنتجت الشركة من الغاز الطبيعي، ما مقداره 17% من إنتاج الغاز في العالم. وبالإضافة إلى ذلك، فقد أنتجت شركة غازبروم 32. 3 مليون طن من النفط الخام و12.1 مليون طن من الغاز المكثف. وتمتلك الشركة شركات فرعية تعمل في العديد من المجالات الصناعية وقطاعات التمويل والإعلام والمواصلات والطيران. وبالإضافة إلى ذلك، هي تسيطر على أغلبية الحصص في أكثرية "الشركات المستقلة" العاملة في روسيا.

الأساس الاقتصادي المشترك لمحور الشرق الجديد

بصرف النظر عن الاختلافات الايديولوجية والدينية، من جهة، وعن المواقف الجيوسياسية والجيوستراتيجية المشتركة، من جهة ثانية، بين روسيا والصين وإيران (الأركان الرئيسة للمحور الشرقي الجديد المعادي للإمبريالية الأميركية والغربية واليهودية العالمية)، فإن هذه الدول الثلاث الكبرى تشترك جميعًا في قاعدة أساسية مشتركة وهي كونها اقتصاديًا- اجتماعيًا تقوم على أسس نمط نظام "رأسمالية الدولة". ولكن لأسباب تاريخية خاصة بكلّ منها تختلف احداها عن الأخرى في تركيبة البنية الفوقية للدولة:
فمن يقود الدولة في الصين الشعبية هو الحزب الشيوعي الصيني ذو التراث الثوري الفكري والنضالي، والغني والعريق. ومهما كان من "ليبيرالية" الشعار الصيني "نظامان (اشتراكي ورأسمالي) في دولة واحدة"، و"الحرية" والضمانات الممنوحة للاستثمارات والتوظيفات الرأسمالية الغربية - ولا سيما الأميركية- في الصين، فإن "تأميم" جميع الاستثمارات الأجنبية في الصين لا تحتاج إلا إلى "شحطة قلم" من قيادة الحزب الشيوعي الصيني. وجميع أصحاب الرساميل الأجنبية الموظفة في الصين و"الرأسماليون الجدد" الصينيون المتعاونون معهم، "يلتزمون حدودهم" تمامًا، لأنهم يعرفون تمام المعرفة أنّهم يعملون في ظلّ هذا "السيف الشيوعي" المسلط فوق رؤوسهم في كلّ لحظة، والذي لا يمكن "اللعب معه" بتاتا.

من يقود الجمهورية الإسلامية الإيرانية هي المؤسسة الدينية المجاهدة المتنورة، المجدِّدة والمتجددة. وهي مؤسسة متواضعة متقشفة ومتقانية، تُخضع كلّ الاقتصاد الإيراني وكلّ مقدرات الدولة الإيرانية لمصلحة الرؤية الجيوسياسية الإسلامية - الدولية، لـ"الهيكلية الأممية الإسلامية" ذات النزعة والثقافة الثورية التاريخية، والتي دخلت لاعبًا رئيسًا في المسرح الجيوسياسي العالمي بانتصار الثورة الإسلامية في إيران، وبروز ودعم المقاومة الشعبية الإسلامية المسلحة، بقيادة حزب الله، ضدّ "إسرائيل" والصهيونية والإمبريالية الأميركية والغربية.  

من يقود الدولة الروسية هو النخبة السياسية الأمنية والعسكرية الثقافية والعلمية والاقتصادية والاجتماعية ذات النزعة الوطنية الروسية- الاورثوذوكسية، بزعامة فلاديمير بوتين في المرحلة التاريخية الراهنة. وهي منتخبة من الجماهير الشعبية مباشرة بمختلف أشكال الانتخابات الرئاسية والبرلمانية والإقليمية والبلدية الخ. والرئيس بوتين، والذي كان يتزعم حزب "روسيا الموحدة" الذي كان يمتلك أكثرية من 238 مقعدًا من الـ450 مقعدًا في البرلمان الروسي (الدوما)، فبعد انتخابه للرئاسة وضع مسافة بينه وبين حزبه ذاته. وهو يحظى بدعم جميع الحزاب الوطنية الروسية، الموالية والمعارضة، ودعم جميع المؤسسات الدينية الروسية، وخصوصًا المؤسسة الاورثوذوكسية، والتي يرتبط بها التاريخ العريق لروسيا، والمؤسسة الدينية الإسلامية بمختلف مذاهبها.

هذا؛ مع الأخذ باللحسبان التمايز والاختلاف الايديولوجي والديني والثقافي والفكري بين القوى السياسية الحاكمة في كلّ من روسيا والصين وإيران، فإن نظام رأسمالية الدولة في البلدان الثلاثة يشترك في خاصية واحدة هي أنه "اقتصاد قطاع عام" اسمًا على مسمى، أي أنه "اقتصاد البلد" أو "الاقتصاد الوطني" أو "اقتصاد الشعب" المعني، ليس فقط بالمعنى السياسي- القطري، بل بالمعنى الاقتصادي -التملكي بالتحديد.
 
بهذا المعنى؛ القيادة الوطنية- الاورثوذوكسية البوتينية في روسيا والقيادة الوطنية الشيوعية في الصين والقيادة الوطنية الثورية الإسلامية الأممية في إيران، والتي تقود الاقتصاد الوطني للبلدان الثلاثة، ومن الوجهة الاقتصادية- الاجتماعية ذاتها، وليس فقط من الوجهة السياسية والايديولوجية، تمثل المصالح العليا للشعوب الروسية والصينية والإيرانية، المالك الحقيقي الأول والأخير للاقتصادات الوطنية لروسيا والصين وإيران.
هذه الخاصية الاقتصادية - الاجتماعية الوجودية للأنظمة الوطنية الروسية والصينية والإيرانية تمثل الصخرة الأساسية التي تنبني عليها وحدة "المحور الشرقي الجديد"، والذي تشكّله البلدان الكبرى الثلاثة. وهي الصخرة التي بدأت تتكسر عليها قرون "روما الجديدة" المتمثلة بالنظام الرأسمالي الإمبريالي الأميركي الغربي واليهودي العالمي.

 نظام رأسمالية الدولة الروسي بمواجهة النظام الرأسمالي الإمبريالي الغربي (3)

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

خبر عاجل