طوفان الأقصى

آراء وتحليلات

هيمنة "بلاد العم سام" تتزعزع عالميًا
11/06/2024

هيمنة "بلاد العم سام" تتزعزع عالميًا

يبدو أن مسرحيات وألاعيب أميركا في محاولة "لجم" الحكومة الصهيونية عن إجرامها في قطاع غزة، باتت سخيفة وواضحةً للأغلبية العظمى من الرأي العام العالمي، ومحاولة الشريكة الكبرى التنصّل من بصمات الإبادة الإجرامية لم تعد تجدي نفعًا. بلاد "العم سام" وصل بها حد الوقاحة إلى إعلانها الصريح مشاركتها بتنفيذ مجزرة مخيم النصيرات منذ أيام، حيث صرّحت القيادة الأميركية أنها شاركت بكل ما لديها من "إمكانيات عملية ومخابراتية" في هذه المجزرة، تحت ذريعة "إنقاذ 4 رهائن".

أميركا تظهر اليوم للعالم بصفتها شريكًا في حرب الإبادة، ووسام العار هذا سيضاف بالطبع إلى سابقاته من أوسمة الإجرام في شتى بقاع العالم، وسيكون أيضًا علامة فارقة في تاريخ هذه الدولة القائمة أساسًا على فكرة الاستعمار واستغلال الشعوب، خاصةً بعد تزعزع مكانتها في النظام العالمي القائم، وتحديدًا في منطقة الشرق الأوسط.

مرحلة تزعزع الهيمنة الأميركية العالمية لم تبدأ بالطبع مع حرب غزة، بل هي كما كل قضية، لها بدايات ومسببات وعوامل خارجية مساعدة تراكمت مع الوقت وأنتجت ما أنتجته. قبل الخوض في الحديث عن الظروف الخارجية، من المجدي الذكر أن بلاد "العم سام" معروف عنها عدم قدرتها حتى على التعامل مع مشكلاتها الاجتماعية الداخلية المزمنة، كحالات إطلاق النار الجماعي والعنف المرتبط بالأسلحة النارية إلى الفقر المزمن والتشرد وتعاطي المخدرات، وقد أدى ذلك في مرحلة ما، إلى ظهور صورة عالمية تعكس حالة التدهور الذي لا رجعة فيه للولايات المتحدة الأميركية.

يضاف إلى هذه النقطة أن الولايات المتحدة الأميركية كانت المبادر والمساعد الأول لإنتاج النظام الليبرالي العالمي الذي نعيش في ظله، وقد أثبت هذا النظام أنه الأكثر ضررًا للعالم وأنه أداة الاستعمار السياسي الأولى فيه وهو القائم على شعارات ظاهرية لا تمت لواقعه وغاياته الحقيقية بصلة، وقد ارتكز هذا النظام بشكل أساسي على هيئة الأمم المتحدة، والوكالات المنتسبة لتعزيز معايير الصحة والعمل، ومنظمات أخرى مثل منظمة التجارة العالمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي لتنظيم النظام الاقتصادي العالمي.

هذا التعثر في قيادة نظام دولي، يصاحبه أيضًا فشل إستراتيجي تمثل بانهيار تحالفات عسكرية عالمية صاغتها أميركا لمواجهة تحدي الاتحاد السوفياتي سابقًا منها منظمة المعاهدة المركزية (حلف بغداد)، ومنظمة معاهدة جنوب شرق آسيا، والمنظمة الوحيدة التي كتب لها البقاء هي منظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

من الواضح أن الولايات المتحدة الأميركية دخلت منذ سنوات في ما يمكن تسميته بـ"حرب باردة جديدة" ضد روسيا والصين، وأنها ما زالت توظف سياساتها في هذا السياق للحفاظ على تفوقها العالمي في مواجهة التحدي الصيني بشكل خاص، لا سيما وأن الانتكاسات الأمريكية المتراكمة ــ بدءًا من الحرب في فيتنام وما بعدها الهزائم الكارثية لحرب العراق وأفغانستان ــ قد أتاحت مساحةً لمنافسيها للتقدم عالميًا.

لقد نجح العملاق الصيني بمهارة في استخدام نظام التجارة العالمي الذي أنشأته الولايات المتحدة الأميركية وظهوره كقوة صناعية أولى في العالم، ثم كقوة عسكرية متنامية. نمو الصين هذا حدث في  ظل انشغال أميركا بما يسمى بـ"حربها على الإرهاب" في العراق وأفغانستان، وبالتالي إهمالها لجزءٍ كبيرٍ من القضايا العالمية الأخرى، ورغم تركيز الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب على الحرب التجارية مع الصين، فإن هذه الأخيرة استطاعت التغلب على أميركا من حيث القوة الشرائية مثلًا، والنمو الاقتصادي الذي نما فيها بمعدل أسرع ثلاث مرات من أميركا، ناهيك عن المجالات الأخرى التي تنمو بسرعة فيها، كالعلوم والتكنولوجيا والهندسة وغيرها.

من الصين إلى روسيا وتحديدًا حرب أوكرانيا، حيث كان لهذه الحرب تداعياتها الثقيلة جدًا على أميركا وخاصة  اقتصاديًا، وذلك مع بروز روسيا اليوم أيضًا كقوة كبيرة قادرة على إخراج المشروع الأمريكي لتحدي الصين في المحيطين الهندي والهادئ عن مساره.

وفي هذا الإطار، فإنه بعد مرور سنتين تقريبًا على شنّ هذه الحرب، بدأت تعلو يومًا تلو الآخر أصوات في أميركا والغرب بوجه عام، تنادي بوقف أو على الأقل تقليص المساعدات المقدمة إلى كييف، وذلك بعد أن تلقت دعمًا عسكريًا وماليًا بمبالغ طائلة دون تحقيق الانتصار أو حتى الاقتراب منه. هذا التحرك على المستوى الشعبي وخاصةً في أميركا، سيكون مضاعفًا جدًا في حال كسبت روسيا الحرب، لأن أميركا – وفقًا لتقرير معهد عسكري أميركي - ستجد نفسها مجبرة على تعزيز قدرات الدفاع والردع ضد أي تهديد روسي محتمل، وما يترتب على ذلك من تكاليف ضخمة، مما يعني أن أميركا خسرت فعليًا جولة مهمة من الحرب أمام روسيا، وأمام الشعب الأميركي الذي تموّلت حرب أوكرانيا من جيوبه.

المحطات المذكورة أعلاه توّجت بالواقع الجديد الذي فرضته معركة طوفان الأقصى، إذ لا يمكن النظر إليها سوى بصفتها زلزالًا إستراتيجيًا ضرَبَ الشرق الأوسط، وقد وجدت الولايات المتحدة الأميركية نفسها بعدهُ أمام تحولات وتحديات جديدة لا تصب في مصلحة مشروعها الشرق أوسطي الجديد، أبرزها تواطؤها الإجرامي في الإبادة الجماعية لسكان قطاع غزة، وبروز التحدي الإيراني من جديد وقدرة إيران على المواجهة وكذلك كل فصائل المقاومة في مختلف جبهات المساندة، فضًلا عن أن المعركة عطّلت مسار التطبيع وفق معاهدات "أبراهام"، وساهمت إلى حدٍ كبيرٍ جدًا في تدهور سمعة أميركا في المنطقة والعالم.

وفي السياق نفسه، منحت معركة طوفان الأقصى فرصة لكل من الصين وروسيا لتعزيز حضورهما في إطار المنافسة العالمية، بعد تعطّل سياسات أميركا في الشرق الأوسط، وفرضت على أميركا قواعد ومعايير جديدة لعودتها إلى المنطقة، أولها وأساسها تسوية القضية الفلسطينية، وإلا فإن العواقب والتكاليف التي ستدفعها  فقط للحفاظ على ما بقِيَ من نفوذها ومصالحها ستكون أضعافاً مضاعفة لما تشهده اليوم.

روسياالصين

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات