نقاط على الحروف

قناة "الحرة".. أجندات جديدة؟

328 قراءة | 11:14

بغداد: عادل الجبوري

ربما لم يكن مفاجئا بالنسبة للكثيرين، الهجوم غير المسبوق الذي شنته قناة "الحرة" الأميركية الناطقة باللغة العربية قبل أسبوعين على الحشد الشعبي، لأنه جاء متزامناً مع توجه عدواني أميركي متعدد الأبعاد والعناوين والاتجاهات، ولأنه من زاوية أخرى يعد تحصيلاً حاصلاً لمجمل الموقف والتوجه المضاد للحشد الشعبي منذ تأسيسه قبل أكثر من أربعة أعوام ونصف العام.

التقرير الذي بثته "الحرة" وتناولت فيه الحشد الشعبي قبل حوالي ثلاثة أسابيع، وكررت بثه عدة مرات بأوقات مختلفة، اشتمل على جملة مغالطات واتهامات وادعاءات غير موثقة ولا أساس لها من الصحة، تتعلق بمزاعم حول ضلوع الحشد في عمليات تهريب النفط، والتصفيات الجسدية، والتهجير.

لا شك أن مثل تلك الاتهامات، حتى ولو كانت صحيحة، فإنه لا يمكن لوسيلة اعلامية تتحرى الدقة وتنتهج الموضوعية وتلتزم الحياد في الطرح، أن تسوقها دون توفر الأدلة والشواهد الدامغة، وبعكس ذلك لا يتعدى الأمر كونه أقاويل وأرقاماً وتحليلات هشة، من الصعب جدا أن تصمد أمام الحقائق الدامغة.

وحتى تتضح خلفيات ودوافع وظروف تقرير "الحرة" التحريضي على الحشد الشعبي، من المفيد الإشارة الى عدد من المعطيات والوقائع والحقائق، التي من شأنها أن تساهم في جعل كل معالم وملامح وألوان الصورة جلية بما فيه الكفاية لمن يتابع ويراقب ويتأمل، ومن تلك المعطيات والوقائع والحقائق:

أولاً: تعد قناة "الحرة" الناطقة باللغه العربية، أبرز وسائل الاعلام التي تعكس مجمل المواقف والتوجهات الأميركية، والترويج للسياسات التي يتبناها البيت الابيض حيال القضايا والملفات الحيوية والمهمة، لاسيما في منطقة الشرق الاوسط، وهي منذ تأسيسها في عام 2004، راحت تروج للسياسات الاميركية، وتسوق المفاهيم السياسية والاجتماعية والفكرية المغلوطة الى ملايين العرب والمسلمين، لا سيما العراقيين منهم بالدرجة الأساس.

   وقد حرصت الجهة المشرفة على القناة والممولة لها، المتمثلة بوزارة الخارجية الأميركية، على الابتعاد عن الأسلوب الاستفزازي المثير، الذي انتهجته بعض القنوات الفضائية العربية - وحتى الأجنبية - مثل قناة "الجزيرة" القطرية، من أجل جذب أكبر عدد من المشاهدين، وتوسيع نطاق التفاعل مع أطروحاتها ومتبنياتها، وقد وصفها بعض المعنيين والمختصين، في مناسبات مختلفة بالقول "ان قناة الحرة تدس السمن في العسل بهدوء"ّ.

ثانياً: من خلال مراجعات عديدة لسياسات القناة وخطابها الاعلامي، أجريت من قبل دوائر مقربة من الرئيس الاميركي الحالي دونالد ترامب، خلال العامين الماضيين، تبلورت رؤية مفادها "ان الحرة ابتعدت عن مسار التعبير عن النهج الاميركي المطلوب، وراحت تخوض في مساحات محظورة تنفع الخصوم والأعداء وتروج لهم أكثر مما تستهدفهم، والحل هنا اما اغلاقها او تصحيح مسارها". واستقر الرأي على الخيار الثاني، لذلك كانت الخطوة الأولى إجراء تغييرات جوهرية في ادارتها العليا، تزامنت معها تغييرات جوهرية في نوعية البرامج ومضامينها وشخوص مقدميها ومعديها، وحتى ضيوفها، ناهيك عن تغيير "لوغو" القناة، وهو ما أفصح عنه رئيس شبكة الشرق الاوسط للارسال (MBN) والمدير الجديد للقناة، البرتو فرنانديز، ليعلن انطلاقتها الجديدة مطلع شهر تشرين الثاني-نوفمبر الماضي.

ثالثاً: طالت التغييرات معظم ـ أو كل ـ كادر القناة في العراق، والبالغ عددهم أربعة وثلاثين شخصاً، منهم مقدمو برامج ومذيعون ومحررون وفنيون، حيث سرحتهم القناة، وطوت صفحة برامجهم، ويقال إنه كانت هناك الكثير من الملاحظات والمؤاخذات على طبيعة برامج "الحرة عراق"، والموضوعات التي تتناولها، وكيفية تناولها، وتوجهات الضيوف، وجوهر تلك الملاحظات يتمثل في "ان مكتب القناة في العراق وفر فرصاً كثيرة وكبيرة لخصوم واشنطن ومنتقديها للظهور والحديث بكل حرية، وهذا ما لا يمكن القبول به، اذ كيف لوسيلة اعلامية أن تنفق الأموال الطائلة، لتجلب أعداءها وخصومها وناقديها الى شاشتها ليتهجموا عليها ويوجهوا لها أفظع الانتقادات؟".

رابعاً: المطلوب من "الحرة" وغيرها من وسائل الاعلام الاميركية، أو تلك التي تدور في فلكها، وفق توجهات الصقور والمتشددين والفوضويين بزعامة دونالد ترامب، هو التماشي مع منهج التطرف والعدوانية والاستهداف المباشر، والترويج والتسويق لما تريده ادارة ترامب، ومغادرة الاطر والسياقات الدبلوماسية، أو بتعبير آخر العمل وفق مبدأ الرئيس الأميركي الأسبق جورج بوش الابن، "من لم يكن معنا فهو ضدنا".

ووفق التوجهات الجديدة للقناة، فإنه يفترض أن توضع عناوين ومسميات من قبيل الحشد الشعبي، وحزب الله، والمقاومة، وأنصار الله، وايران، في دائرة الاستهداف المباشر، وربما كان التقرير التحريضي الأخير ضد الحشد أول الغيث وليس آخره!

وسيجد المتابع كثيرا من التحريض والتأليب والتزييف عبر سلسلة برامج جديدة، عناوينها واسماؤها تكشف عن ماهية مضامينها وتوجهاتها، مثل "في الممنوع"، و"اسلام حر"، و "هوليود نيوز"، و"الحكي سوري"، و"عاصمة القرار"، و"الحرة تتحرى"، و"المرتدون الى اوطانهم"، و"سام وعمار"، و"مختلف عليه".

وعلى ضوء المتغيرات والتحولات الجديدة لـ"الحرة"، فإنه من المتوقع أن تحاول خلط أوراق المشهد السياسي العراقي، لتكمل ما تقوم به دوائر سياسية وعسكرية واستخباراتية اميركية في ميادين أخرى، ومن المتوقع ان تعمل على دق اسفين الفرقة والاختلاف والتقاطع بين مختلف المكونات والشخصيات السياسية والاجتماعية العراقية، وبين العراق وبعض جيرانه وأطراف محيطه الاقليمي، بصورة هادئة نوعا ما حتى تنطلي على من يتعاطي مع الأمور بسطحية وسذاجة وحسن نية، وهذا ما يتطلب معالجات عملية وواقعية، انطلاقا من المصالح الوطنية، وفي اطار السياقات القانونية، من قبل أصحاب الشأن والقرار.