نقاط على الحروف

"كهوف السلطة" يكشِفُ دور الرئيس الأميركي في مجزرة 13 أيلول 1993

776 قراءة | 06/12/2018

بقلم د.جمال شهاب المحسن

صدر كتابٌ جديدٌ للوزير السابق بشارة مرهج تحت عنوان "كهوف السلطة، تجربتي في وزارة الداخلية" حيث انطلق في تسجيل تجربته على رأس أهم وزارة في لبنان كما عاشَها قريباً من الناس متّصلاً بهم انطلاقاً من خلفيتِهِ الوطنيةِ النضاليةِ وانتمائه الفكري الثقافي الذي يُركِّز عليه في الفصول الأولى التمهيدية.

لقد أضاءَ الوزير مرهج في كتابه على محطاتٍ تاريخيةٍ هامّةٍ ومفصليةٍ في تاريخ لبنان والمنطقة حيث خصَّها في سياقِ حديثه عن تجربته الشخصية على رأس وزارة الداخلية اللبنانية بالبحث الجدّي المسؤول والمدعَّم بالوثائق والمستندات والشواهد والأدلة الدامغة من خلال مُقترَباتِ المعايَشَةِ الحيّة بالمشاركة والمنهج التاريخي التحليلي. وكان شفَّافاً عندما قال في مقدّمة الكتاب: "إنه يستحيل على المرء أن يكون موضوعياً في نقل الحدث أو تقييمه إلا بدرجة ما ".. وهنا أقول بعد قراءتي المعمَّقة للكتاب إن هذه "الدرجة" الموضوعية كانت عاليةَ المستوى بحيث يُعَدُّ شهادةً هامّةً في تاريخ لبنان المعاصر.

وما استوقفَني في هذا الكتاب تداعياتُ المجزرة المروّعة التي حدثت في 13 أيلول/ سبتمبر عام 1993 في منطقة جسر المطار حيث سقط فيها من جمهور المقاومة العديد من النساء والرجال بين شهيد وجريح برصاص كهوف السلطة في لبنان. وهنا تجلّى موقف وطني وأخلاقي وسياسي كبير للوزير مرهج ضد من ارتكب هذه الجريمة وضد مَن كان "يريد تقديم أوراق إعتماده ﻷوسلو وأطرافها الأميركية والعربية فيطلق النار على المتظاهرين الأبرياء، هادراً دماءهم محاولاً إثارة الفتنة في البلاد وتهيئة الأجواء لإضعاف لبنان وجيشه ومقاومته، وفاتحاً الطريق نحو أوسلو لبنانية بعد تكفير الناس وتيئيسهم" ص 126 من الكتاب. والأهم من كل ذلك هناك عنوان في سياق حديث الوزير مرهج عن مجزرة جسر المطار هو: "الرئيس الأميركي في قلب الحدث "حيث يتساءل مرهج لماذا أصرّ الرئيس الياس الهراوي على موقفه في منع التظاهرة التي كانت للإحتجاج على "أوسلو" ؟.. وذكر في الصفحة 131 من الكتاب حرفياً: "عندما قلت له لا تثق بالوعود الأميركية أجابني الرئيس الهراوي أنت لا تعرف ماذا يجري... لقد تحدث معي ليل أمس الرئيس الأميركي على مدى ساعتين وبحثنا معا في كل الأمور" ص 131...

وفي صفحة أخرى يقول الوزير مرهج: " فيما أنا أقابل هذا المسؤول وأودّع ذاك كانت صورة التظاهرة تقتحم مخيلتي باستمرار، مَن أطلق النار وبأمرٍ مِنْ مَن؟ كيف جرى الإتصال بين الآمر والمأمور متجاوزاً القنوات الرسمية؟ وعندما كان البعض يطرح سيناريو الحادثة أي أن هناك مَن أطلق النار فردّت القوى العسكرية عشوائياً، كنتُ أردُّ أن الدلائل تشير من الناحية الميدانية الى أن الحادثة كانت مدبّرةً وليست بنتَ ساعتِها، وإلّا فلماذا أصابت الرصاصات ـ كما علمنا من جهاتٍ عدّة ـ الرأس والصدر وكانت مميتة"!!

وكان لموقف هذا الوزير "الآدمي" كما يصفه الرئيس اللبناني السابق إميل لحود دوره في استشراس أهل السلطة لانتزاع وزارة الداخلية منه في "مرسوم منتصف الليل" اللادستوري واللاأخلاقي المتعسّف.. فردّ هذا الوزير على ذلك باستقالةٍ مدوّية فيها كلُّ الكرامة والشرف والتجسيد لانتمائه الوطني والقومي والإنساني.

هذه الاستشهادات للوزير مرهج في الكتاب تؤكد حقيقة الإختراقات الأميركية والمعادية للواقع اللبناني والتي قرأت عنها وعاينتُها طويلاً بالبحث والدراسة المعمّقة للوثائق اللبنانية والعربية والأميركية والإسرائيلية والأجنبية وذلك للوصول الى الحقائق التاريخية كما هي دون تشويهٍ وتضليل ودون رتوشٍ كباحث في علم الإجتماع السياسي.

ولقد وجدت في كتاب كهوف السلطة للوزير بشارة مرهج الكثير من الإضافات في مجال معرفة الحقائق في تاريخنا المعاصر.