hadinasrollah

نقاط على الحروف

ملامح الثورة القادمة بعد اندثار مرتقب لوسائل التواصل الاجتماعي

03/08/2019

ملامح الثورة القادمة بعد اندثار مرتقب لوسائل التواصل الاجتماعي

إيهاب شوقي
يكتسب كل عصر إيقاع تغيراته طبقاً لطبيعة تواصل مجتمعاته وكذلك تقنياته ومدى تطوره، وربما تخضع أيضاً حدة التغيرات وجذريتها لهذه الطبائع.

وبالمقابل، فإنه مع تطور التغيرات الحادة وتداعياتها وتفاعلاتها، قد يتم تحييد هذه التغيرات الثورية الى أن تندثر، فمع الدخول الى العصر الذري، تم حسم أبشع حرب عالمية، ولكن ومع توفر هذا السلاح لأياد متعددة، تم إبطال مفعول هذا السلاح وأصبح هناك نوع من الردع المتبادل، وفقد توفر هذا السلاح قدرته على الحسم.

يمكن أن تصح هذه المقاربة ايضا مع ثورة التواصل الاجتماعي والتي غيرت كثيرا من أدوات العمل السياسي، بما فيها الحشد والتنظيم، ومع مرور الوقت حدثت تطورات افقدت هذا السلاح قوته، مما ينبئ بأن هذا العصر الى زوال وأننا على مشارف تغير ثوري جديد.

وقبل الدخول في تفصيلات، فلعل من المناسب تناول أبرز ايجابيات وسلبيات مواقع التواصل وتأثيراتها على العقل والعمل السياسي:

أبرز التأثيرات الايجابية:

1ـ الايجابية في الادلاء بالرأي وتحديد الموقف.

2ـ الاهتمام بملفات قد تكون مهملة ولكن لنشرها والزخم الذي اكتسبته اصبحت موضعا للاهتمام.

3ـ الاطلاع على كافة الأراء وتوفير منابر قد يتم حجبها عن بعض الاتجاهات، مما يسمح بعدم فرض وجهة نظر وحيدة ويعطي مساحة للتقييم الذاتي.

عندما نشأت المواقع وخاصة "فايسبوك"، حدثت طفرة في التواصل وسرعته وسهولته
أبرز التأثيرات السلبية:

1ـ افتقاد المصادر الموثقة لمعظم ما يتم تسييده من معلومات سواء اخبارية او مرئية.

2ـ وجود حالة من حالات المنابر المتاحة لمجتمعات افتقدت حرية التعبير مما ينتج نوعا من الانفلات والسعي للتعبير دون تقيد بمعايير موضوعية أو تسلح بمعرفة كافية او ثقافة عميقة.

3ـ خضوع انتشار الافكار لمعايير اخرى غير المصداقية، مثل الجذب عن طريق التقنيات الحديثة ولغة تخاطب جاذبة مما يسمح بدس افكار مسمومة داخل اطار معسول.
وإذا ما أردنا محاولة التنبؤ والاستكشاف لمستقبل هذه المواقع، فإن المنهج هنا يجب أن يعتمد على تاريخية النشأة وتطورها ومحاولة وضع توصيف للوضع الراهن، وعليه محاولة استنتاج قانون للتطور يمكن وضع التنبؤ عليه بشكل علمي.

وعندما ننظر لظروف النشأة ومن خلال معاصرتنا لا من خلال ما يتم تسييده في دراسات غربية، فإننا يمكن أن نستكشف ما يلي:

أولا: كانت هذه المواقع وخاصة موقع "فايسبوك" ثورة حقيقية في وقت كان التواصل به ميدانيا، ووسائل التقاء القوى السياسية في مقرات الاحزاب أو النقابات، وكانت اللقاءات لا بد وان يتمخض عنها فعاليات ملموسة، سواء احتفالات أو تظاهرات أو مؤتمرات، وكانت الجرائد الورقية وخاصة للمعارضة، لها زخم كبير وهو ما يعني عدم توفر المنابر الخطابية والتوعوية الا لمن هو جدير بذلك.

وعندما نشأت المواقع وخاصة "فايسبوك"، حدثت طفرة في التواصل وسرعته وسهولته، ولكن حدث بالتزامن، تراجع في الفعاليات واللقاءات الانسانية المباشرة، وتوفرت المنابر لجميع المستويات بما فيها أنصاف المثقفين وأدعياء المعرفة، ناهيك عن الجهلاء والمغرضين.

ثانيا: تطور هذه المواقع أفرز زخما ميدانيا في البداية، وساهم في الانتفاضات العربية الحميدة والخبيثة على السواء، فيما عرف بـ"الربيع العربي"، وساهم في خلط الغث بالثمين، ثم تحول مع الوقت لمنابر للتراشق لا للحشد، فساهم في فتن طائفية ومذهبية وتفتيت للصفوف، حيث خضع بشكل صريح لقوانين التجارة، فتم الانفاق على صفحات موجهة وبرعاية اجهزة استخباراتية لدول متعددة، واصبحت تستغل حكوميا واقليميا ودوليا بشكل لا يقود الا الى التراشق والتفتيت والفتنة.

ثالثا: في توصيف الوضع الراهن، يمكن القول أن هذه المواقع أصبحت ادمانا لجيل كامل من الشباب ومختلف الفئات العمرية، ولكنه ادمان لمخدر يعوق عن التفاعل العملي وينتج نوعا من ابراء الذمم الذي لا يغير اوضاعا تسوء.

ونظرا لمراقبة هذه المواقع أمنياً، فلا يصح الخروج منها بتقييم دقيق للرأي العام لأن الكثيرين اما ينافقون أو يتجنبون الحديث في موضوعات يمكن ان تسبب الضرر الأمني أو الوظيفي، كما أن البعض يتأثر بأفكار سائدة ثم يغير رأيه بعد ذلك وفقا لسيادة افكار اخرى، وهو يعكس ارتباكا أكثر ما يعكس رصدا، كما تدخل العوامل الشخصية والتراشقات في تشتيت الانتماءات وتشكيل جزر منعزلة فكريا وتنظيميا.

إذن القانون الذي يمكن استنتاجه هنا هو التراجع السريع لفعالية هذه المواقع، نتيجة انحراف للمسمى والغرض من التواصل والحشد، الى التراشق وتفريق الصفوف، كما ان المنابر المنفلتة افقدت اي منبر جدواه وزهوته وقيمته، وبالتالي فإن المحصلة صفرية، واندثار هذه المواقع هو مسألة وقت.

وقد يطول الوقت أو يقصر تبعا لقدرة هذه المواقع بوضعها الراهن على تحمل الضغط الداخلي الناتج عن اكتشاف المستخدمين لفقدان المعنى والمولد لفقدان الدافع ناهيك عن الملل والشوق للتغيير، وتحمل الضغط الخارجي الناجم عن سوء الاوضاع العملية بما يدفع لحتمية التحرك العملي والذي لم يعد متوفرا لهذه المواقع.

بالطبع هناك عوامل ربحية لهذه المواقع، وقد أعلن فيس بوك في كانون الثاني/ يناير الماضي عن ارتفاع كبير فى العائدات ونمو كبير في المستخدمين خلال الربع الرابع، على الرغم من أنه واجه عامًا صعبا بسبب امتلائه بفضائح الخصوصية وتراجع الثقة بين المستخدمين.

وقال الموقع أن الأرباح ارتفعت بنسبة 61 في المئة لتصل إلى 6.9 مليار دولار، حيث بلغت الإيرادات 16.9 مليار دولار، إذ تفوقت على توقعات وول ستريت البالغة 16.3 مليار دولار.    

كما ان هناك عوامل استخباراتية خاصة بالرصد وجمع البيانات.

وكل هذه العوامل معرضة للخطر اذا ما تراجعت الثقة وحدث نوع من العزوف وهو ما سيؤثر على الربحية، واذا ما افتقدت دقة الرصد وهو ما سيؤثر على الجدوى الاستخباراتية.

ان كل شيء يحمل بداخله عوامل فنائه، وقد حمل التواصل الافتراضي نوعا من القطيعة لافتقاد حميمية التلاقي واستسهال المشاركة الوهمية، كما حمل التضليل المكثف افتقاد الثقة والمصداقية، وبالطبع حمل انفلات المنابر افتقاد قيمة ووجاهة وجدوى وتأثير المنبر.

والمتوقع هو ثورة جديدة على هذه المواقع، أما بطريقة اخرى للتواصل تكون بتقنيات اخرى تزيح هذا النوع، واما بعودة ساخنة الى الميادين تحمل زخما مضاعفا مشفوعا بردة فعل غاضبة على سنوات التيه الافتراضية.

مواقع التواصل الاجتماعيالإعلام والاتصال

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف