نقاط على الحروف

لص أم رئيس.. لماذا جاء ترامب تحت جنح الظلام؟

574 قراءة | 12:57

بغداد: عادل الجبوري

خلسة، ومن دون مقدمات، دخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب العراق، برفقة زوجته ميلانيا ترامب، ومستشاره لشؤون الامن القومي جون بولتون، وتوجه مباشرة الى قاعدة عين الاسد الجوية غرب محافظة الانبار، التي يتواجد فيها أكثر من الفي جندي اميركي، ليبقى هناك مدة ساعتين فقط، حيث هنأ جنوده بأعياد الميلاد، وتحدث اليهم والتقط معهم الصور التذكارية.

ماذا يعني ذلك؟

لأول وهلة، فإن رئيس أكبر دولة بالعالم، الذي كان بإمكانه أن يدخل البيت من أبوابه وفي وضح النهار، بدلا من أن يقفز عبر الشباك، تحت جنح الظلام، وكأنه لص، تجاوز كل المعايير والضوابط الأخلاقية والعرفية والدبلوماسية، وجاء متسلحا بعقلية القوة والهيمنة والغرور، التي تتمثل بعقلية "الكاوبوي" المتغطرسة والمتحجرة.

وهو نفسه أقر بذلك، حينما صرح لوسائل الاعلام قائلا "لو رأيتم ما الذي كان علينا المرور به في الطائرة المظلمة ونوافذها المغطاة بستائر بحيث لا يوجد أي ضوء في أي مكان، ظلام شديد السواد"!

ألم يكن بإمكان ترامب زيارة العراق وفق السياقات الاصولية المتعارف عليها، لتحط طائرته في المطار ويحظى باستقبال رسمي، ويلتقي نظراءه العراقيين، ويتحدث اليهم ويتحاور معهم، ومن ثم التوجه للقاء جنوده في "عين الاسد"؟.

ألم يكن بإمكان ترامب أيضاً أن يتصرف كأي رئيس أو زعيم دولة، وأن يكون أكثر شجاعة، بحيث لا يصل به الأمر الى اطفاء أنوار الطائرة واسدال ستائر نوافذها، والعودة سريعا من حيث أتى؟

سلوك ترامب، اذا كان يعكس في جانب منه غروراً وغطرسة واستخفافا بالسياقات الدبلوماسية، فإنه يعبر في جانب آخر منه عن شعور كبير بالخوف، وعدم الثقة بالنفس، وعدم الثقة بمجمل منظومة الدولة العظمى التي يتزعمها.

ولعل هذا الشعور متأتٍّ من ادراك حجم الجرائم التي اقترفتها بلاده في العراق، وما خلفته تلك الجرائم من مآسٍ وويلات ومشاعر سلبية لدى معظم -ان لم يكن جميع- العراقيين.

كذلك فإن هذا الشعور الكبير بالخوف متأتٍّ من ادراك مدى الرفض الواسع من قبل العراقيين للوجود الاميركي في بلادهم.

كيف لا يدرك ترامب كل ذلك، وهو يعرف بالارقام والتفاصيل، العدد المهول للضحايا العراقيين وغير العراقيين، التي تسببت حروب بلاده، والسياسات العدوانية في سقوطها، وكيف لا يدرك ذلك، وهو يسمع ويشاهد ويلمس يوميا ما يقوله وما يطالب به العراقيون، حيال الوجود العسكري الاميركي، والتدخلات السافرة لساسة البيت الابيض في العراق؟

ولسان حال العراقيين، هو ما عبر عنه نائب في البرلمان العراقي، بقوله "إن زيارة ترامب إلى العراق مرفوضة ومستنكرة، فنحن ضد سياسة ترامب وضد اي تدخل بالشأن العراقي، وان أمريكا على رأس الدول المتدخلة بالشوؤن الداخلية، وهي لها تأثير سلبي على العراق من خلال تدخلاتها، خصوصا أن هذه الزيارة لها أهداف ومآرب، فسياسة ترامب باتت واضحة ومكشوفة للجميع".

ولا نحتاج للعودة كثيرا الى الوراء، بل ان ما قالته أوساط وشخصيات سياسية عراقية بخصوص قرار ترامب سحب القوات الاميركية من سوريا، يكفي للتدليل على حقيقة وجوهر المواقف العراقية من السياسات والتوجهات الاميركية، ويكفي للتدليل على أن العراقيين أصبحوا يفهمون ويعرفون جيداً نوايا واهداف واشنطن الحقيقية، التي لا تعكسها الاقوال بقدر ما تثبتها الافعال.

فإذا كان ترامب صادقاً في ادعائه أن قرار سحب القوات الاميركية من سوريا، جاء بعد زوال خطر تنظيم "داعش" الارهابي، فهنا يقفز التساؤل التالي: "اذا كان الامر كذلك، فلماذا لا يسحب ترامب قواته من العراق بعد القضاء على داعش"، وهو بدلا من سحبها يأتي لزيارتها وتقديم التهاني لها بمناسبة أعياد الميلاد، وأكثر من ذلك يكشف عن نيته الابقاء على قواته في العراق بالقول "ان الجيش الأميركي قد يتخذ العراق قاعدة لشن عمليات داخل سوريا"، مفصحاً عن وجود مخططات لانشاء ثلاث قواعد عسكرية جديدة في العراق.

ولسنا هنا بحاجة الى البحث والتفتيش في دلائل واثباتات ومؤشرات على ما تسعى واشنطن لفعله، حيث ان ما أفصح عنه ساسة وعسكريون أميركيون كبار في مناسبات عديدة، بشأن البقاء في العراق، كان واضحا كوضوح الشمس في رابعة النهار.

بيد أن ما ينبغي لترامب ومن يدعم ويؤيد ويساند سياساته، ومن يتحمس لها، سواء في العراق أو في المحيط الاقليمي والفضاء الدولي، القيام به، هو أن يتوقف قليلاً عند خلفيات وأبعاد الانسحاب الاميركي المذل من العراق قبل سبعة أعوام، والرجوع اليه مجددا بعد ان وفر تنظيم "داعش" الغطاء لذلك، من خلال اجتياحه لمساحات من الجغرافيا العراقية في صيف عام 2014.

ربما لا يعلم البعض أن واشنطن انسحبت من العراق قبل سبعة أعوام بعد أن بلغ عدد جنودها القتلى أربعة آلاف وخمسمائة، بينما تجاوز عدد الجرحى الثلاثة والثلاثين الفاً!

ولا شك أن أية محاولات ومساعٍ ومخططات جديدة للبقاء طويلاً في العراق، وتوسيع نطاق ذلك البقاء، تعني مزيداً من القتلى، ومزيداً من الانكسارات والمشاكل والازمات، التي لن يقوى ترامب ـ العاجز بعد مرور عامين على دخوله البيت الابيض، ان يشكل فريقا مستقرا ومنسجما للعمل معه ـ ان يوجهها ويتعامل معها بحكمة وهدوء.