مفقودو الأثر

خاص العهد

اقتصاد لبنان و"سياط" التصنيفات.. هل من فرص للنهوض؟  

14/08/2019

اقتصاد لبنان و"سياط" التصنيفات.. هل من فرص للنهوض؟  

فاطمة سلامة
 

يكفي أن ننظر الى الاجتماع المالي الذي عُقد في قصر بعبدا نهار الجمعة الفائت، حتى نعي حجم "الحذر" الذي يعيشه لبنان الرسمي من اقتصاده. في الشكل، بدا الاجتماع على أعلى مستوى في التمثيل. وفي المضمون، أُعلن عن قرارات مهمة لطالما نادى بها مسؤولون وخبراء ومتابعون كبوابة لإنقاذ الوضع الاقتصادي. الأخير ينتظر تصنيف الوكالة العالمية "ستاندرد أند بورز" في الثالث والعشرين من آب/أغسطس، وسط مؤشرات غير مطمئنة زادت سلبيتها الأوضاع السياسية التي حدثت مؤخراً. مؤشرات توحي بتخفيض تصنيف لبنان الائتماني عبر نقله من مرتبة "المخاطر العالية" إلى مرتبة "المخاطر الكبيرة". هذه المرتبة تعني -إن وصل اليها لبنان- وضع قدرة لبنان على سداد ديونه في دائرة الشك.

والجدير ذكره أنّ وكالة "ستاندرد أند بورز" منحت لبنان في آذار/مارس الماضي فرصة حين خفّضت في تقييمها النظرة المستقبلية للبنان من "مستقرّ" إلى "سلبي"، مع الحفاظ على تصنيف لبنان (-B)، أي من دون تنزيل رتبته من مستويات (B)  إلى مستويات (C) . تلك الفرصة لا يجدها مراقبون اليوم واردة بتاتاً مع الأوضاع الاقتصادية "الصعبة" التي يمر بها لبنان، والتي قد تخفّض تصنيفه الى مرتبة (C) . برأيهم، فإنّ التعطيل والمماحكات السياسية فعلت فعلها في الاقتصاد الذي يبدو "هشاً"، رغم محاولات "تلميع" صورته من قبل بعض المسؤولين، وعلى رأسهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة الذي وصف الوضع المالي بالـ"TOP"، وهو وصف لا يراه مراقبون ناجحاً بل بعيداً كل البعد عن الواقع. 

حبيقة: التدارك صعب جداً 

ويرتبط مستوى التصنيف عادة بمعدلات الفائدة، فالتصنيف الأدنى يعني فائدة أعلى، انطلاقاً من أن مخاطر الدين تصبح أكبر، ما يرتّب أعباء جديدة على الاقتصاد اللبناني في حال وقعت الواقعة وجرى تخفيض مستوى لبنان الائتماني. ما الذي يجب على لبنان فعله؟. الخبير الاقتصادي لويس حبيقة يرى أنّ الوقت سبقنا، فنحن على بعد أسبوع من التقرير المذكور، وفعل أي شيء لتدارك الوضع يبدو أمراً صعباً جداً، إلا أنه يؤكّد أنّ الحكومة اللبنانية أمام تحدٍّ لاتخاذ تدابير تُحسّن صورة لبنان وتُمهّد الطريق أمام تصنيف جديد أفضل بعد ستة أشهر. 

ويلفت حبيقة الى أنّ الوكالة حتى ولو لم تقم بتخفيض تصنيف لبنان وأبقته على ما هو عليه، فلا شيء يدعو الى الفخر والإعجاب، وعلينا أن نتقدّم بخطوات جدية تبعد المخاطر عن اقتصاد لبنان، كمحاربة الفساد والاصلاح الاداري في مؤسسات الكهرباء والمياه، وفي البنى التحتية. ويُشدّد حبيقة على ضرورة الابتعاد عن التهويل، فكل ما نراه اليوم من تداعيات سلبية يقف التهويل أمام جزء منها. حتى ارتفاع سعر صرف الدولار مرده الى استغلال الصرافين للشائعات ومخاوف المواطنين ما يُحتّم على مصرف لبنان القيام بتدابير لسحب الرخص من كل متلاعب بسعر الصرف. 

وفيما يُحذّر حبيقة من الذهاب بعيداً في التشاؤم لناحية الوضع الاقتصادي، يلفت الى ضرورة العمل ثم العمل لإنقاذه فالاقتصاد اللبناني بحاجة الى "أوكسيجين" ودم جديد لوضعه على السكة الصحيحة. 

سرور: اقتصاد لبنان ليس منهاراً

الخبير الاقتصادي حسن سرور يُشدّد على أنّ كل التصنيفات السلبية التي تُمنح للبنان مصدرها الطبقة السياسية، وليس أدل على ذلك من "الهرج والمرج" الذي صاحب إقرار الموازنة. تلك الخطوة الطبيعية تمر في كل دول العالم بلا أي ضجّة. والمضحك المبكي في الأمر أننا أقررنا موازنة لم نبدأ العمل بها حتى الآن رغم أننا تأخرنا عليها كثيراً، وهو ما يزيد الوضع الاقتصادي سوءاً. فالمؤسسات الدولية تراقب هذا الواقع وتسجّل انطباعاتها السلبية وتصدر تقاريرها. ويلفت سرور الى أن المؤسسات في لبنان تعاني شللاً واضحاً ما يُحتّم على المسؤولين ضرورة التعامل بمسؤولية في مقاربة الملفات. وفق حسابات المتحدّث، فإنّ الأوضاع الاقتصادية تنعكس حكماً على الاقتصاد، إذ إن هناك علاقة طردية بامتياز بين الاشتباك السياسي وحركة الاقتصاد والدورة الاقتصادية. فعلى سبيل المثال أي إرباك سياسي سيعني حكماً إحجام المواطنين عن الاستثمار في الأسواق. 

وفيما تعلو بعض الأصوات التي تنصح المواطنين بسحب ودائعهم من المصارف، يضع الخبير الاقتصادي الأمر في خانة التهويل، فهذه الخطوة تعني إفلاس القطاع المصرفي الذي لديه استثمارات هائلة. يسأل المتحدّث: هل المصارف لديها الملاءة النقدية لرد الأموال للناس دفعة واحدة؟!. ويحذّر سرور من هذه الشائعات التي لن تؤدي سوى الى مزيد من السلبية في التصنيف ما يُعقّد الأزمة ويزيد منسوب الخطر ويهدّد قيمة النقد اللبناني. ويُشدّد سرور على أنّ الوضع الاقتصادي سيئ لكنه لم يصل الى مرحلة متدهورة تستوجب هذه الحملات "المشبوهة" والتي ستضر أولاً وأخيراً بالمواطنين. 

ويوضح الخبير الاقتصادي أن الأوضاع الاقتصادية التي نعيشها اليوم هي نتيجة مجموعة أمور يمكن اختصارها بالآتي:
-عدم الاستقرار السياسي الذي يعيشه لبنان منذ سنوات.
-الأوضاع الاقليمية "الملتهبة" والتي أثرّت على الصادرات اللبنانية، حيث كانت سوريا بوابة لبنان الى الدول العربية لتصدير المنتجات.

ويشير سرور الى أثر الخطاب الهادئ والتصريحات "الحسنة" على الاقتصاد، فاجتماع بسيط قد يؤثر بشكل إيجابي على النقد والمال، تماماً كما حصل بعيد اجتماع بعبدا المالي حيث صعدت السندات الدولارية اللبنانية، وارتفع إصدار 2030 إلى أعلى مستوى في أسبوع. كما أنّ التشنجات السياسية والخطاب المتوتر قد تُحدث بلبلة مالية في الأسواق تكون لها انعكاسات سلبية وسلبية جداً، ومثال على ذلك سعر صرف الدولار الذي وصل في بعض الحالات الى 1590 نتيجة أحداث قبرشمون والتشنج السياسي الذي أحدثته ما حدا بالمواطن اللبناني الى دفع أثمان كبيرة جداً. وهنا يأسف سرور لغياب الحس بالمسؤولية لدى كثيرين عند مقاربة الوضع الاقتصادي، موضحاً أن تخفيض تصنيف لبنان سيزيد كلفة الدين والاعباء المالية ويهدد القطاع المصرفي والمالي، وعليه علينا أن نتعاطى بحكمة مع الأمور بعيداً عن منطق المزايدات والتهويل.

ويرى سرور أن الخروج من الوضع الاقتصادي "القاتم" يحتاج القيام بعدة خطوات أهمها:

- العمل على إرساء أجواء إيجابية على السياسة في البلد
-البدء مباشرةً بتطبيق الموازنة للحصول على وعود "سيدر"
-البدء بترميم البنى التحتية "المترهلة" 

ويختم الخبير الاقتصادي حديثه بالتأكيد أن اقتصاد لبنان ليس منهاراً ومن السهل ترميمه إذا ما وُجدت الارادة السياسية لذلك، لكننا نعاني من طبقة سياسية "منهارة" أوصلت البلد الى ما نحن عليه.
 

إقرأ المزيد في: خاص العهد