خاص العهد

قراءة قانونية لقرار وزير العمل بحق العامل الفلسطيني: الحكومة اللبنانية مسؤولة

19/08/2019

قراءة قانونية لقرار وزير العمل بحق العامل الفلسطيني: الحكومة اللبنانية مسؤولة

هيثم أبو الغزلان

لم تزل تداعيات قرار تنفيذ حملة وزير العمل اللبناني كميل أبو سليمان على العمالة الأجنبية في لبنان تزيد وتتّسع لدى اللاجئين الفلسطينيين. وفي السياق نفسه، تستمر التحركات الفلسطينية ضد القرار. فما هي القراءة القانونية الفلسطينية لهذه الإجراءات؟ الإجابة في هذا اللقاء لموقع "العهد الإخباري" مع مدير عام المؤسسة الفلسطينية لحقوق الإنسان "شاهد"، والخبير في القانون الدكتور محمود الحنفي، الذي تحدّث عن إجراءات وزارة العمل، والمطالب الفلسطينية، والقوانين اللبنانية تجاه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.

* ما هي قراءتكم للقرارات والقوانين اللبنانية تجاه اللاجئين الفلسطينيين في لبنان وحقوقهم؟

- كل القوانين والقرارات التي صدرت من مؤسسات الدولة سواء كانت برلمانية "قوانين"، أو حكومية قرارات ومراسيم كلها وبدون إستثناء تتعامل مع الفلسطيني ليس بصفته إنسانًا يقيم على أراضي الجمهورية اللبنانية، بل بصفته أجنبيًا، وأجنبيًا من نوع خاص. فهي لم تعتبره لاجئًا من حيث المبدأ اضطرته ظروف ما إلى اللجوء إلى لبنان، بل اعتبرته أجنبيًا من نوع خاص، وهذا التصنيف (أجنبي من نوع خاص)، هو غريب في المصطلح لأنّه إما أن تكون لاجئًا، تنطبق عليك اتفاقيات حقوق الإنسان الدولية. أو اتفاقيات جنيف لا سيما اتفاقية جنيف الرابعة، أو تكون لاجئًا ذا وضع خاص كونك فلسطيني تنطبق عليك مقررات وكالة "الأونروا" وما جاء في التعريف في القرار (302). وإما أن تكون أجنبياً قدِمت الى البلاد وفق مبدأ المعاملة بالمثل ووفق شروط الإقامة وشروط العمالة وما إلى ذلك. فالفلسطيني لا يعتبر في نظر المنظومة القانونية اللبنانية لا أجنبياً كي تنطبق عليه تلك الأحكام، فهو ممنوعٌ من التملك، وممنوعٌ من العمل وممنوعٌ من التنقّل بحرية وما إلى ذلك. ولا هو لاجىءٌ، أي هناك قانون دولي ينظم وضع اللجوء. فهذا التمييع وعدم الوضوح في المركز القانوني للاجىء الفلسطيني جعل حياة الفلسطينيين معقدة وغير واضحة، وأكثر من ذلك كله جعل النظر إلى الفلسطيني موضع شك وريبة ونظرة أمنية ولم تكن في يوم من الأيام نظرة إنسانية وحقوقية.

الحكومة اللبنانية هي المسؤولة عن القرارات والمراسيم التشريعية

* ما أبرز ما يعانيه العامل الفلسطيني من الناحية القانونية (هذا إن وجد عملًا)؟

- بالنسبة إلى معاناة اللاجئ الفلسطيني، في الحقيقة، لم يعد سرًّا أن الفلسطيني يعاني من جملة واسعة من التهميش والتضييق. فالفلسطيني يُنظر إليه نظرة أمنية، وهذه معاناة بحد ذاتها. المخيمات وسكانها مطلوبون ومشتبه بهم إلاّ أن يثبت العكس. والمخيمات تُحاصر كما هو واضح وهي أشبه بسجن... وهذه النظرة الأمنية هي أكبر شكل من أشكال المعاناة وهي النظرة الدونية والعنصرية بحيث ينظر إلى الفلسطيني كعنصر أجنبي وغريب يجب أن يُعامل هذه المعاملة اللإنسانية.

الأمر الثاني من المعاناة هي أن الفلسطينيين عندما قدموا إلى لبنان كان عددهم تقريبًا مئة الف، أما الآن فعددهم، حسب إحصاءات "الأونروا" نظريًا، خمسمائة ألف، أي خمسة أضعاف، لكن ظلّت مساحة المخيمات على ما كانت عليه، فالحق بالسكن غير متوفر أبدًا ولا تسمح الدولة وبأي شكل من الأشكال بتوسّع المخيمات. فالحق بالسكن والبيوت المكتظة والمتلاصقة في المخيمات بهذا الوصف لا تصلح للعيش الآدمي. وأكثر من ذلك المخيمات التي تم تدميرها لم يُعَد بناؤها بشكل سريع كما حصل في مخيمي النبطية (1974)، وتل الزعتر (1976)، وصحيح كما حصل في مخيم نهر البارد الذي دُمّر وحتى الآن لم يتم إعادة إعماره. وهناك جملة أسباب لعدم إعماره بالشكل الصحيح من بينها التعقيدات اللبنانية التي لا تُسهّل حياة الفلسطينيين.

ويعاني اللاجئ الفلسطيني من الحق في العمل، فالفلسطيني ممنوع منعًا باتاً - وليس مُقيّداً - من جملة واسعة من الأعمال من أهمّها المهن الحرة، النقابات المهنية لا سيما (الطب، الهندسة، المحاماة، الصيدلة)، وغيرها المنضوية في إطار نقابات، فهذه ممنوعة منعًا مطلقًا على اللاجئ الفلسطيني.

وأيضاً الفلسطيني ممنوع من التملك بموجب القرار 296/2001، فهذا القانون قانون عنصري يستهدف العنصر الفلسطيني بعينه، أي أنه يمنع على اللاجئ الفلسطيني التملك العقاري ولو متراً واحداً. فهذا قانون عنصري بإمتياز لأنه يستهدف العنصر الفلسطيني ويميّزه عن غيره، من حيث يسمح لأي أجنبي آخر التملك. ولو افترضنا جدلًا أن الجمهورة اللبنانية أقامت علاقات دبلوماسية مع إسرائيل لأمكن للإسرائيلي التملك لكن غير مسموح للفلسطيني ذلك، لأسباب في الحقيقة غير منطقية وغير مقبولة.

الطريقة التي تمارسها الحكومة اللبنانية بحق الفلسطيني هي طريقة "تطفيش" وطرد للفلسطيني من لبنان

وممنوع على الفلسطيني التنقل بحرية فالقيود المفروضة على المخيمات هي قيود بالغة التعقيد وينظر إلى المخيم على أنه ثكنة عسكرية تقيّد حركة السكان بشكل غير عادي وتدقّق في هويات الخارجين والداخلين (رجالاً، نساءً، أطفالاً، مرضى...) كأنّهم مطلوبون إلى أن يثبت العكس.

بالنسبة إلى البطاقات التي يحملها اللاجئون فهي لها علاقة بالشخصية القانونية وفق المادة السادسة للإعلان العالمي لحقوق الإنسان لأن كل إنسان له الحق بالشخصية القانونية. فالشخصية القانونية في لبنان غير متاحة لا في المركز القانوني ولا بالبطاقة التي يحملها وهذه مسألة مستغربة، فالبطاقة سهلة جداً ولكن بسبب النظرة الدولية للفلسطيني يتم إهمال وتهميش الفلسطينيين، وتُصدر بطاقات غير كريمة وغير إنسانية تكتب بخط اليد وسهلة العطب والتلف وسهلة التزوير. وهذا يمس الحق في الشخصية القانونية، وهذا كان مرتبطاً بجواز السفر ولكن جرى مؤخراً بعد مناشدات ومطالبات منا كجهة حقوقية ومن غيرنا ونتيجة لمتطلبات منظمة الطيران العالمي تم تحديث وثائق السفر.

وأيضاً يحظر على الفلسطيني تشكيل الجمعيات إلاّ أن يكون معه أشخاصاً لبنانيين، ويحظر عليهم حق التظاهر إلاّ أن يكون معهم أيضًا أشخاصاً لبنانيين أو بإسم أشخاص لبنانيين.

كما يمنع على الفلسطينيين الإستفادة من المعونة القضائية، ونحن في مؤسسة "شاهد" كنّا قد أصدرنا تقريراً قبل أيام حول النظرة الدّونيّة للفلسطينيين في المخافر وفي المراكز القضائية وفي السجون، فهناك نظرة دونية وغير إنسانية.

* دعوتم لمقاربة حقوقية عاقلة حول حقوق اللاجئين الفلسطينيين في لبنان في العمل، هل وجدتم صدى لذلك لدى الجانب اللبناني؟ وأين وصلت الأمور؟

- بالنسبة للعامل الفلسطيني هناك وضع شاذ، ولنكن صريحين فالعامل الفلسطيني عامل مجتهد ومنضبط وكفء ويتمتّع بالولاء لرب العمل، فهذه المميزات كلها لم تُؤخذ بعين الإعتبار، فيحظر على العامل لفلسطيني ممارسة المهن الحرة، كما لا تتم معاملة العامل الفسطيني كما تتم معاملة العامل الأجنبي حتى وإن تحصّل على إجازة عمل، لأن القوانين الناظمة لهذه المسألة قوانين عنصرية وغريبة؛ ففي الوقت الذي يستفيد فيه العامل اللبناني من مخرجات الضمان الإجتماعي، لا يستفيد العامل الفلسطيني من هذه المسألة أبدا، رغم أنه يُقتطع من راتبه نحو (25%) ويردّ إليه تقريبًا (8%) فأيُّ عدل في هذه المسألة؟!

وكما قلنا فإنّ المهن الحرة محظورة على الفلسطيني منعاً مطلقاً وإجازة العمل دونها تعقيدات كثيرة تصل إلى حد المنع. ففي حين تُعطى (160 إلى 170) ألف إجازة عمل للأجانب، يحصل مئة أو مئة وخمسين فلسطينياً فقط على إجازات عمل وبصعوبة بالغة ولمدّة محدودة.

وفي كثير من الأحيان تكون الأجورة متدنية ولا تتناسب مع جهد وكفاءة العامل الفلسطيني، ولا يتمتع بإستقرار وظيفي وتعويض نهاية الخدمة وما إلى ذلك. فهناك تمييز وإضطهاد بحق العامل الفلسطيني سواءٌ على مستوى التشريعات والقوانين، أو على صعيد الممارسة.

* ما هي خريطة الطريق التي يمكن من خلالها إيجاد حلول للأزمة الأخيرة التي بدأت مع تنفيذ الوزير كميل أبو سليمان خطة مكافحة العمالة الأجنبية في لبنان؟

- في الحقيقة إن قرار الوزير كميل أبو سليمان غريب في شكله ومضمونة وتوقيته، فصحيح أن هناك جملة واسعة من التهميش بحق الفلسطيني الذي لا يتمتّع بما يتمتّع به أخيه المواطن اللبناني، رغم كفاءته ومميّزاته، إلا أنه تحت مسمى تطبيق القانون أراد الوزير أن يطبق القانون على الفئة المستضعفة والمُهمّشة التي تعاني أساساً، ففرض على أي عامل فلسطيني الحصول على إجازة عمل، وهذا في قراءة قانونية كبيرة جداً، لا يصح لأن الفلسطيني كونه لاجىء شيء، والعامل الأجنبي شيء آخر. فهناك إختلاف في المركز القانوني لهذا وذاك.

أما الحل فهو أن يعود الوزير أبو سليمان إلى ما كان عليه الوزراء السابقون بحيث لا يطلب من الفلسطيني الحصول على إجازة عمل، والحل الأفضل أن يتم إصدار تشريعات قانونية من البرلمان اللبناني تجيز للفلسطيني الحق في ممارسة المهن الحرة، وتجيز له الإستفادة من شروط الضمان الإجتماعي، وأن يعمل في الشركات والمؤسسات دون إجازة عمل. فنحن لا نريد إجازة العمل لأن لها قراءة قانونية تضرب المركز القانوني للفلسطيني. فهذه هي الخريطة التي من خلالها يتم إيجاد الحلول الآنية لأن الوضع خطير ويزيد من التهميش فوق التهميش على الفلسطيني تحت مسمى القوانين. ولا يصح النظر إلى لبنان على أنه بيئة قانونية مثالية وأن الفلسطيني لا يحترم هذه القوانين، فهذه مسألة لا تجوز. فنحن مع تنظيم القانون، ولكن أي قانون نتحدث عنه؟

* برأيكم هل تتّجه الأمور باتجاه مقاربة شاملة للوضع الفلسطيني في لبنان، أم الى مزيد من الحلول الجزئية؟

- المقاربة الحقوقية دائمًا نطالب بها فلا بوجد طريق أقصر من الأمن والإستقرار والرفاهية من إحترام حقوق الإنسان... وهناك مسؤولية لبنانية شاملة، فالوزير أبو سليمان يتكلم عن حق العمل، ولكن في النهاية هو وزير يأتي ويغادر، فالمسؤولية تقع على البرلمان اللبناني وكل الكتل النيابية دون إستثناء، فهي مسؤولة عن الوضع الهش الذي وصل إليه الفلسطينيون والمعاناة المزرية والفقر والحرمان والتهميش. وكل التشريعات صدرت من البرلمان ومعظم الكتل البرلمانية إن لم نقل كلها وافقت على هذه المشاريع منع التملك وقانون العمل وغير ذلك. فبموافقتها هي مسؤولة وعليها أن تصدر قوانين إنسانية لائقة ومحترمة تليق بالفلسطيني وبكرامته الإنسانية، وتليق بالقدس والأقصى الذي يحبه اللبنانيون، فالقدس كحجر وفلسطين كأرض ليست أغلى من الإنسان الفلسطيني إذ لا قيمة لفلسطين دون الفلسطيني. أما الحكومة اللبنانية فهي المسؤولة عن القرارات والمراسيم التشريعية إذ لا يعقل أن يبقى يُنظر إلى الفلسطيني نظرة أمنية، والقوى الأمنية تتشدد في الحصار على المخيمات وتقول إنها تأتمر بأمر الحكومة، وبالتالي عليها أن تعدل من هذه الأمور كلها وأن تعامل الفلسطيني معاملة لائقة تليق بقداسة قضيته فالفلسطيني أثبت أنه يحب أرضه ووطنه وقدسه، والطريقة التي تمارسها الحكومة اللبنانية بحق الفلسطيني إنما هي طريقة "تطفيش" وطرد للفلسطيني من لبنان.. فهم مع منع التوطين وليسوا ضد التهجير لأن الفلسطيني الآن يهاجر نتيجة الظروف البائسة التي يعيشها نتيجة السياسات اللبنانية المتراكمة للأسف الشديد..

 

إقرأ المزيد في: خاص العهد