آراء وتحليلات

الخلل في النظام الأمريكي وتحديات العام 2019

291 قراءة | 10:07

محمد علي جعفر

خرجت العديد من التحليلات خلال الأيام الأخيرة والتي تناولت استقالة وزير الحرب الأميركي "جيمز ماتيس" والتي شكَّلت صدمة للعقلاء في الولايات المتحدة. هذا ما اتفق عليه المحللون السياسيون. "كريس ستيفينسون" اعتبر في مقال له في صحيفة الإندبندنت البريطانية أن استقالة ماتيس من منصبه، تزيد من عزلة الرئيس الأميركي وتدفعه لإطلاق العنان لأجندته المتشددة في العام 2019.

مراسل صحيفة الغارديان البريطانية "توم مكارسي" اعتبر أن الإدراة الأمريكية فقدت شخصاً من الوزن الثقيل الذي يُنظر إليه بأنه يقوم بتصحيح اتجاهات الرئيس الأمريكي المتهورة. بنظره، فإن الإستقالة ستدفع ترامب لأن يزداد قسوة في التعامل مع دول مثل روسيا وإيران وسيتشدد أكثر في سياساته تجاه ملفات عديدة كملف الهجرة وغيرها. وهنا فإن لهذه الإستقالة العديد من الدلالات التي يجب الوقوف عندها لأهميتها، ولعلاقتها بمستقبل الولايات المتحدة وبالتالي النظام الدولي. حيث أن الإستقالة جاءت ضمن سلسلة استقالات هزَّت الإدارة الأمريكية. فما هي دلالات الخلل في النظام الأمريكي؟ وكيف سيكون العام 2019 عام التحول في النظام الدولي؟

عدة دلالات مرتبطة يمكن الخروج بها نُشير الى أهمها في التالي:

أولاً: على الصعيد الداخلي الأمريكي، تُشير الإستقالة الى حجم الإنقسام داخل الإدارة الأمريكية وغياب الإجماع الإستراتيجي لا سيما تجاه ملفات السياسة الخارجية والأمن القومي. وهنا فإن رهان العقلاء في واشنطن بقي على الفريق المُحيط بالرئيس ترامب والذي تكوَّن من مستشار الأمن القومي "هربرت ماكماستر"، ورئيس هيئة أركان البيت الأبيض "جون كيلي" ووزير الخارجية "ريكس تيلرسون" ووزير الحرب "جيمز ماتيس". كان هؤلاء الفريق القادر على تأمين التوازن في توجهات الرئيس الأمريكي. اليوم ومع رحيل ماتيس، تعزَّز القلق من مستقبل أمريكا لا سيما فيما يخص قرارات السياسة الخارجية والتي من شأنها أن تؤثر على خيارات الأطراف الدولية الحليفة لواشنطن والمعادية لها.

ثانياً: هذا الإنقسام العميق داخل النظام الأميركي، وارتفاع قدرة الرئيس على ممارسة سياسة أكثر تشدداً، تُنبئ بأن العام 2019، سيكون عام التحوُّل نحو اصطفافات دولية جديدة وأكثر وضوحاً. حيث أن سياسة التشدد الأمريكية سوف تُقابل بإصرار أكبر لدى أطراف محور الممانعة (روسيا، الصين وإيران) للمضي في خيارات مواجهة السياسة الأمريكية مع لحاظ التفاوت في قراءة العلاقة تجاه واشنطن بين هذه الأطراف، وكيفية إدارة المصالح. لكن الواضح أن هذه الأطراف ستعمل معاً بشكل أكبر بعد أن أثبتت القدرة على التناغم في الخيارات الإستراتيجية المشتركة. وهو ما سعت واشنطن لضربه عبر استراتيجية الإحتواء، والتي تصورت واشنطن أنها تستطيع من خلالها فرض واقع من المصالح المتناقضة بين أطراف محور الممانعة، وهو ما لم يحصل لأسباب عديدة لا يسعنا الآن ذكرها. هذه النتيجة ستُساهم أيضاً في الدفع نحو ولادة نظام دولي جديد.

ثالثاً: يمر الغرب عموماً بحالة من التناقض في المصالح الإستراتيجية. فعلى الرغم من وجود رابط تاريخي قوي بين أمريكا والدول الأوروبية، إلا أن سياسة الرئيس الأمريكي، لم تكف عن تهديد مصالح الدول الأوروبية، ما دفعها لإعادة النظر بعلاقتها مع واشنطن. وهنا وعلى الرغم من اختلاف نوعية المصالح بين هذه الأطراف وتفاوت أولوية العلاقات بينها، من المصالح الاقتصادية الى المصالح العسكرية، فإن العام 2018 حمل تحوُّلاً جدياً بتوجُّه الدول الأوروبية نحو الشرق لا سيما تجاه روسيا وإيران. كما عززت خطابات القادة الأوروبيين (ألمانيا، فرنسا وبريطانياً) فكرة إعادة النظر بالقدرات الأوروبية وعدم الإعتماد على الطرف الأمريكي، وذلك لأسباب يُدركها الغرب الأوروبي كالجغرافيا السياسية والإقتصادية والعسكرية والتي يأتي في مقدمتها مسألة الحدود المشتركة مع روسيا والقرب من الشرق الأوسط. الأمر الذي لم تراعيه سياسة دونالد ترامب بل اتخذت خيارات ضده (كتهديد الناتو والضرائب على السلع الأوروبية و..)، ما يعني أن أي سياسة أكثر تشدداً في العام 2019 ستُعزز من التوجه الأوروبي (ولو بشكل متفاوت) نحو تعزيز العلاقات مع الشرق الأوروبي والآسيوي.

يبدو واضحاً أن حالة التخبُّط التي يعيشها النظام الأمريكي، تُشكل فرصة لولادة نظام دولي جديد، لن تكون فيه واشنطن إلا طرفاً ضعيفاً. الوضع الأمريكي الداخلي ليس إلا مؤشراً ودلالة وكذلك تُعتبر استقالة ماتيس. على الصعيد الخارجي، فشلت المحاولات الأمريكية لإحتواء الدول الكبرى لا سيما الصين وروسيا، عبر سياسة ضرب مصالحها المشتركة. كما أن التركيز على مواجهة إيران وضرب علاقتها مع روسيا لم تُفلح. في المقابل، باتت هذه الدول تُدرك أن التحالف فيما بينها، وحفظ المصالح المشتركة يجعلها أقوى في مواجهة الطرف الأمريكي.

باتت واشنطن عدواً للجميع. حتى أن أوروبا التي تمر بمأزقٍ اقتصاديٍ خطير، لم تعد قادرة على التغاضي عن سياسة واشنطن الإنتهازية. هذه الأسباب كافة يُضاف اليها الأولويات الخاصة بالأطراف الغربية وتعارضها، يُنبئ بأن العام 2019 سيكون عام التحول نحو نظامٍ دوليٍ جديد. نظامٌ تحكمه رؤية أطراف جديدة، حيث ستتعدَّل موازين القوى الدولية لكنها لن تكون لصالح الغرب! هذه أحد أبرز نتائج الخلل في النظام الأمريكي وتأثيراتها الدولية.