آراء وتحليلات

الشرق السوري نحو التحرير.. المعطيات والاحتمالات

438 قراءة | 11:16

شارل أبي نادر

تتسارع الوقائع المتعلقة بالحرب على سوريا، الديبلوماسية السياسية منها والعسكرية الميدانية. وحيث كان قرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب بانسحاب اميركي مرتقب من الشرق السوري قد شكل مفاجأة لأغلب اللاعبين والمؤثرين في سوريا، جعلتهم يعيدون حساباتهم ويغيرون مناوراتهم، جاءت العودة الديبلوماسية العربية الى سوريا، وخاصة من دول خليجية طالمت كانت في طليعة واجهة الحرب على سوريا، لتشكل مفاجأة أخرى لا تقل حساسية عن مفاجأة الانسحاب الأميركي، ولتؤسس تلك الوقائع مجتمعة الى نقطة ارتكاز مهمة نحو استكمال تحرير كامل الجغرافيا السورية وخاصة في الشرق منها.

لم يكن الوفد الكردي المشترك من قوات سوريا الديمقراطية ومن وحدات الحماية الكردية قد أنهى مشاوراته في موسكو، حتى بدأت طلائع وحدات الجيش العربي السوري بالدخول الى مدينة منبج شمال شرق سوريا، والتي كانت أول هدف عسكري مرتقب للأتراك بعد الاعلان عن الانسحاب الأميركي، خاصة وأن تواجد وحدات الحماية الكردية في المدينة كان موضع خلاف تركي - اميركي، فجاء الدخول العسكري السوري الشرعي  للمدينة ليكون البديل الطبيعي والمنطقي لجميع الأوضاع الشاذة التي عاشتها، أميركيا وكرديا او تركيا كما كان مقدراً.

 متابعة للتفاوض المرتقب في موسكو، بين المسؤولين الروس وبين وفد تركي عسكري ديبلوماسي مشترك، يبدو أنه سيتناول بالتفصيل الوضع في منبج وفي الشرق السوري. صحيح أن الأتراك والمسلحين الذين يدورون في فلكهم لم يعترفوا حتى الآن بدخول الوحدات الشرعية السورية الى منبج، لأنهم أساساً يحتاجون هذا الانكار لتقوية موقفهم التفاوضي، حيث يعتبرون سماحهم بدخول الجيش العربي السوري الى منبج نقطة يربحون بمقابلها، فقد صُدموا من سرعة دخول الجيش العربي السوري الى منبج، والذي لم ينتظر نهاية التفاوض في موسكو أو في أي مكان آخر، مُبرهناً المعادلة التي طالما رددها الرئيس الأسد بأحقية وقانونية وشرعية التواجد السوري الشرعي على أية نقطة سورية بمعزل عن أية تسويات أو مفاوضات.
 
هذا الدخول العسكري السوري الشرعي الى منبج، والذي لم يأخذ بعد مداه الميداني الكامل كانتشار واسع في المدينة ومحيطها، لأسباب لوجستية تحتاج بعض الوقت لادخال المعدات والعناصر الكافية للانتشار الحساس والدقيق أمنياً وعسكرياً، لا يمكن أن يكون (الدخول الى منبج) منعزلاً أو مستقلاً عن أي تحرك أو مناورة سورية شرعية أوسع من المدينة، فظروفه ومعطياته تنسحب بالكامل على أغلب مناطق الشرق السوري والتي هي مرشحة لأن تتحرر من الاحتلال الاميركي بشكل كامل، حيث السيطرة الراجحة مبدئياً شرق الفرات للوحدات الكردية، والمُطعَّمة بوحدات سورية عربية معارضة، مع بعض التواجد الضعيف لـ"داعش"، والذي يبدو أنه في أيامه الأخيرة، حيث كان يلعب "داعش" دور المبرر للوجود الاميركي، والذي لم يعد يحتاجه بعد قراره بالانسحاب الأخير من سوريا.
 
هذه السيطرة الكردية شرق الفرات، والتي أصبحت مؤخراً مهددة جديا بعمل عسكري تركي، سوف يكون لها مبدئيا حل مرتقب، عناصره الميدانية والعسكرية والسياسية تقوم على الشكل التالي:

عسكريا، لن يختلف الوضع في الشرق السوري عن مدينة منبج، وسيقوم على دخول عسكري سوري شرعي، تتحدد تفاصيله وحيثياته لاحقا، بانتظار الاجراءات المرتقبة التي ستنتج عن التفاوض بين الدولة وبين الاكراد، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة عبر الروس، والتي ستتعلق بالغاء الادارة الذاتية كقوة عسكرية بشكل كامل أم بشكل جزئي في المرحلة الأولى أو الانتقالية، عبر إندماجها مع الجيش ومع الشرطة السورية، والأرجح لن يكون هناك صدام لأنه ليس في مصلحة الأكراد الذين طالبوا أساسا بحماية الدولة، وحيث من المفترض انه سيتم في هذه المرحلة (المرحلة الاولى) استيعاب المنظومة العسكرية الكردية ضمن رؤية يضعها الجيش العربي السوري، كتشكيل عسكري قريب من الدفاع الشعبي يخضع لقرار الجيش.
 
والمرحلة الثانية تحدد مستقبل تلك العناصر والأسلحة على ضوء التسوية والتفاوض السياسي مع الإدارة الكردية، وهذه التسوية من المفترض أن تتحدد بشكل: تحفظ سيادة الدولة السورية ولا تغضب تركيا التي ستضمن لها روسيا عدم الابقاء على منظومة الاكراد العسكرية كقوة مستقلة، والتي أساسا لن تقبل بها الدولة السورية، مع اعطاء هؤلاء بعض الامتيازات السياسية، والتي سوف تسارع الولايات المتحدة الاميركية للضغط الاعلامي لتحقيقها، للقول أنها هي الساعية لها، وذلك بهدف حفظ ماء الوجه مع الأكراد الذين استغلتهم في حربها في الشرق السوري.

بالنسبة للسوريين العرب غير الأكراد والمعارضين للدولة، والذين يحملون السلاح ضمن منظومة عسكرية سلّحتها ورعتها واشنطن بتمويل عربي خليجي، ستتكفل هذه الدول الخليجية (التي تستعيد علاقاتها بدمشق بالتتابع) باستيعاب مطالبها وبانخراطها ضمن منظومة المعارضة الواسعة، والتي ستكون مطالبها السياسية فقط (إذ لا مطالب عسكرية لها بعد الآن) ضمن النقاش الواسع، بين اللجنة الدستورية وما ينتج عنها من نقاط تتعلق بأفكار سياسية واصلاحية.

وهكذا يكون الشرق السوري على الطريق للتحرر ولعودة السلطة الشرعية الى كامل جغرافيته، وباكتمال تشكل المنظومة الادارية والسياسية والامنية لتلك المنطقة، والتي ستديرها الدولة وترعاها، تكون الحرب السورية قد طوت آخر فصولها بعودة سلطة الدولة على كامل التراب السوري، ويعود الأطراف الداخليين الى حضن الدولة، بعد أن يقطعوا كل ارتباط لهم مع الخارج، يناقشون هواجسهم ويطالبون بما يعتبرونه حاجة سياسية وادارية بشكل سلمي ديمقراطي.