اجراءات ’إسرائيل’ الدفاعية تختصر تبدل معادلات الصراع

خلال أيام معدودة أطل ضابطان إسرائيليان عبر وسائل الاعلام، أحدهما، قائد "الدفاع" الجوي، تسفيكا حيموفيتش، والآخر ضابط رفيع في قيادة المنطقة الشمالية. الاول، حذَّر من تعزّز مكوِّنات التهديد في سوريا ولبنان، معلناً أن "إسرائيل" تأخذ بالحسبان تهديدات الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، حول استهداف العمق الإسرائيلي. والثاني بأن "إسرائيل" تعمل على استكمال بناء جدار دفاعي على طول الحدود اللبنانية، لمواجهة سيناريو توغل قوات حزب الله إلى الجليل.

تفتح هذه المواقف الباب أمام مروحة من الأسئلة تتصل بسياقها وتوقيتها وأهدافها والرسائل الكامنة فيها.

بلحاظ المضمون الذي تنطوي عليه هذه المواقف، فإن الميزة الأبرز الكامنة فيه أنها تندرج ضمن الاستراتيجية الدفاعية التي باتت ترى "تل ابيب" أنها ملزمة باتباعها في ضوء تبدل معادلات القوة، والمرتكزات التي تستند اليها. وتعكس تسليما إسرائيليا أنها باتت مضطرة في أي خيار تنتهجه إلى حماية عمقها الاستراتيجي الذي أصبح باعتراف كبار قادتها السياسيين والعسكريين جزءًا من جبهات القتال، بكل ما للكلمة من معنى.

تأتي هذه المواقف، تتويجا لخطط دفاعية تواصل "إسرائيل" تطويرها نتيجة تقديرها لحجم المخاطر التي قد تواجهها في أي مواجهة لاحقة. وبعد ورش بناء وتطوير استمرت أكثر من عقد. وتبلورت في ضوء قراءة دقيقة لمعالم التهديد الذي يشكله حزب الله، وبقية اطراف محور المقاومة.

تعززت الحاجة الإسرائيلية إلى هذا النوع من الاجراءات في ضوء الانتصارات التي حققها محور المقاومة في سوريا. وبعد تطور قدرات حزب الله على المستويين الكمي والنوعي. ونتيجة فشل الرهانات التي سادت مؤسسة القرار في "تل ابيب" ازاء مستقبل الاحداث السورية. وهو ما أدى في نهاية المطاف إلى تفاقم المخاطر التي دفعت القيادة الإسرائيلية إلى ضرورة تعزيز الاجراءات الدفاعية، بكافة أنواعها.

شكلت الاجراءات الإسرائيلية إقراراً بفشل المبادئ العسكرية التي اعتمدها هذا الكيان منذ ما بعد إقامته عام 1948

 تأتي هذه الاجراءت في ضوء تطور قدرات حزب الله الصاروخية، وبعدما أضاف إلى قدراته المتنوعة، في كافة المجالات، قدرات هجومية للتوغل في الاراضي الفلسطينية المحتلة، (كجزء من أوراقه الدفاعية والردعية) وهي تأتي ضمن سلة أوسع تشمل ايضا اجراءات دفاعية في المجال البحري.

لا تقتصر أهداف هذه المواقف على طمأنة الجمهور الإسرائيلي، وهو مطلب يحتل أولوية متقدمة في سلم اهتمامات القيادة الإسرائيلية، بل ايضا إلى محاولة توجيه رسائل تتصل بجهوزية "إسرائيل" لمواجهة أي خيارات هجومية. وتهدف "إسرائيل" من هذا النوع من الجهوزية إلى تعزيز القدرات الدفاعية، التي هي مطلب بذاتها، بهدف التمكن من خوض خيارات هجومية واسعة. ويستند هذا الربط إلى أن تعزيز القدرات الدفاعية لمواجهة أي رد واسع، هو أحد شروط التمكن من انتهاج خيارات هجومية.

في المقابل، شكلت الاجراءات الإسرائيلية إقراراً بفشل المبادئ العسكرية التي اعتمدها هذا الكيان منذ ما بعد إقامته عام 1948، في مواجهة تلويح حزب الله بالرد على أي عدوان واسع ضد لبنان باقتحام الجليل. وتستند هذه المبادئ على ردع أعداء "إسرائيل" عن التخطيط والمبادرة العملانية، وعلى قدرات إنذار متطورة تسمح لها باستشراف التهديدات ثم المبادرة إلى توجيه ضرباتها الوقائية والاستباقية التي تحبط أي خيار هجومي.

تكشف الاجراءات البرية و"الدفاع" الجوي أن هناك تسليم إسرائيلي بعدم الرهان الجدي على فعالية قوة الردع الإسرائيلي بمواجهة حزب الله. وايضا، رغم امتلاك "إسرائيل" قدرات انذار متطورة الا أنها لا تحقق المطلوب بمواجهة تكتيكات حزب الله. وليس خافياً حتى على الجمهور الإسرائيلي، أن منشأ المخاوف والضرورات التي أملت هذه الاجراءات الدفاعية، التسليم بفشل الجيش في تحقيق الحسم العسكري مع حزب الله في أي مواجهة لاحقة، لأنه لو كان هناك قدرة على الحسم العسكري لما كان هناك حاجة عميقة إلى هذا المستوى من القدرات الدفاعية. بل، وما كان ذلك ليتم ايضا لولا إقرار صنّاع القرار السياسي والأمني في "تل أبيب" بجدية التهديدات التي لوَّح بها الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله، لجهة السيطرة على الجليل، وبأن مقاومي حزب الله وقادته وكوادره يملكون التصميم والقدرة على ذلك.