40spring

آراء وتحليلات

العدو وغرس التطبيع: الثقافة والفن مدخلًا

21/01/2022

العدو وغرس التطبيع: الثقافة والفن مدخلًا

د. علي مطر

نظّر القائد الاستراتيجي الصيني البارز "سون تزو" في كتابه "فن الحرب" لفكرة الانتصار على العدو دون خوض المعارك، وهذا ما رأى فيه أفضل الانتصارات. وبناء على رؤيته هذه صاغ "تزو" فكرة جوهرية للحرب الإعلامية استخدمت في كل العصور التي أتت بعده، خاصةً في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وبحسب "تزو" فإن "أعظم فن لشن الحروب يتلخص في استهداف عقول الأعداء لا مدنهم". فالحرب المضادة لتسويق فكر الأعداء على كافة المستويات تعد أخطر من خوض الحرب العسكرية أحيانًا، إذا لم يكن المجتمع المقابل محصنًا في مواجهتها، لذلك كان نابليون بونابرت يقول إنني "أتوجس خيفة من ثلاث جرائد أكثر مما أتوجس من مائة ألف مقاتل"، وهذا يبرز الدور الجوهري للإعلام في التأثير على الخصم وبيئته خلال الحروب، وفي كي الوعي خلال السلم.

"كيّ الوعي"، يعد مفهومًا قديمًا تستخدمه الدول والجماعات والأفراد، لكن وسائله تتغيّر بحسب كلّ حقبة زمنية. ففي العصور القديمة مثلًا، شكّلت المنشورات أحد أهم عناصر الحرب النفسية بين الأعداء، أمّا اليوم، فتحوّلت أدوات هذه الحرب، ولم تعد المنشورات الدعائية ذات أهمية، بل حلَّت القوة الناعمة محل القوة الصلبة، والحرب الهجينة محل الحرب الكلاسيكية. ويمكن أن يكون "كيّ الوعي" جزءًا من منهج الحرب الناعمة، فهو إحدى طرائق غسل وتغيير أفكار الإنسان ومعتقداته، وإعادة تشكيله من منظور الجهة التي تشنّ الحرب على هذا العقل. وبالتالي نكون أمام تشكيل قناعات جديدة منحرفة كليًا عن الاتجاه الصحيح أو الهدف الأسمى، وهذا ما يستخدمه العدو الصهيوني في حربه على الأنظمة والشعوب العربية، ما جعل الكثير من الأنظمة تذهب نحو التطبيع وتعمل بدورها على كي وعي شعوبها لقبول ذلك.

أولًا: الوصول الإسرائيلي إلى الجمهور العربي

استغل العدو الصهيوني الأزمات التي عصفت بالمنطقة العربية، ومن ثم تردي الأوضاع الاقتصادية والأمنية والاجتماعية في كثير من بلداننا العربية، للتغلغل في المجتمعات العربية من خلال الدعاية والفن. وما ساعد العدو في تحقيق ذلك أن معظم الأنظمةِ العربيةِ أسقطت من قاموسها العداءَ للصهيونية، وروّجت للسرديات التي تخدم الكيان. هذا الأمر زاد من قوة أنصار التطبيع والمروجين له، وشجعهم على إعلاء أصواتهم والتصريح بالتطبيع بعد أن كان جرمًا يمس بهويّة المواطن العربي، فتحوّلت كبريات شركات الانتاج الفنية العربية الى وسيلة تمهّد فكريًا ونفسيًّا لأنسنة العدو والتطبيع معه على مختلف المستويات.

وبما أن للعداء العربي - الاسرائيلي طابعا تاريخيا وجوديا، لم يكن ينفع كسر الحاجز النفسي بين المواطن العربي والمستوطن الاسرائيلي بشكل فج وصريح، فكانت الانتاجات الفنية والدرامية، حاضرة مطواعة في يد الأنظمة لتكون معبرًا يسهّل ويمهّد ويحول التطبيع من جريمة الى "انفتاح مقبول".

لا شك أن الفن هو من أخطر ما يمكن استخدامه في عملية التطبيع، خاصةً أنه يدخل العقول بسلاسة، ويمكن أن يلاقي شريحة كبيرة من المتأثرين الشغوفين بالأعمال الفنية.

* "مجموعة MBC"

تشكل مجموعة MBC السعودية واحدة من أكبر الشركات العربية المروّجة للتطبيع. والمجموعة بحسب موقعها الالكتروني "تبوّأت صدارة المؤسسات الإعلامية العربية عالميًا، مبتكرةً أشهر العلامات التجارية، مع محتوى ترفيهي بمواصفات عالمية"، وهي توفر لجمهورها "تجربة متعددة المنصات بدءًا من البث التلفزيوني، فالبث الرقمي التدفّقي، وصولًا لعالم الألعاب، فخدمات البث الإذاعي، والتطبيقات، وقطاع الفعاليات وغيرها".

مثلاً، أثارت "MBC" جدلًا وانتقادات في وقت سابق لدى عرضها مسلسلين خليجيين هما "أم هارون" و"مخرج 7" في شهر رمضان يروّجان للتعايش مع "الثقافة الاسرائيلية" والتعاطف مع العدو.

* منصة "Netflix" الرقمية:

Netflix هي أيضًا واحدة من كبريات الشركات المروّجة للتطبيع، فضلًا عن دعمها للسرديات الأميركية والصهيونية والغربية حيال كل ما يرتبط بالصراعات في الشرق الأوسط. وهي خدمة بث أميركية تقدّم بحسب موقعها "مجموعة متنوعة من العروض التلفزيونية والأفلام وأعمال الأنيمي والوثائقيات وغيرها من الأعمال الحائزة على جوائز من خلال الآلاف من الأجهزة المتصلة بالإنترنت".

مثلًا، أثارت المنصة غضبًا في الشارع العربي بعد انتاجها لمسلسل من 6 حلقات يروي قصة الجاسوس الاسرائيلي إيلي كوهين الذي خدم جهاز الموساد في أوائل ستينيات القرن الماضي، وعكف على جمع المعلومات حول الخطط العسكرية السورية تحت غطاء شخصية رجل أعمال الشحن البحري السوري الكبير كامل أمين ثابت، قبل أن يتم كشفه وإعدامه. ويتناول المسلسل قصة صعود هذا الجاسوس وكيف زرعه الكيان داخل سوريا، والمعلومات التي نقلها إلى الكيان الصهيوني. والمسلسل يعرض بطبيعة الحال الرواية الاسرائيلية من وجهة النظر المعادية التي يتبناها منتجه الاسرائيلي جدعون راف.

* التطبيع الدرامي يدخل لبنان

فصل من فصول التطبيع الفني الدرامي الذي أشرنا إليه آنفًا، يحصل حاليًا في لبنان، ولا بد من التنبه له لأخذ إجراءات سريعة حياله، وهو فيلم The Secrets We Keep الذي يعرض الان في (CineMall, Grand Cinemas, Vox, Cinema City) لمخرجه الإسرائيلي Yuval Adler. عرضُ فيلم لمخرج اسرائيلي يعد خرقًا لقوانين تجريم التطبيع مع العدو الاسرائيلي في لبنان، وبالتالي لا بد من قيام الأجهزة الأمنية والثقافية اللبنانية المعنية بسحب الفيلم فورًا من صالات السينما اللبنانية، انسجاماً مع "قانون مقاطعة إسرائيل" الذي "يحظر على كلّ شخص، طبيعي أو معنوي، أن يعقد، بالذات أو بالواسطة، اتفاقاً مع هيئات أو أشخاص، مقيمين في"إسرائيل"، أو منتمين إليها بجنسيّتهم، أو يعلنون لحسابها أو مصلحتها، وذلك متى كان موضوع الاتفاق صفقات تجارية أو عمليات مالية أو أي تعامل آخر مهما كانت طبيعته".

كذلك، يُعد الفيلم المغربي "علّي صوتك" (Haut et Fort-Casablanca Beats) أحد أحدث أفلام المخرج نبيل عيوش، عملًا فنيًا مشبوهًا، ذلك أن مخرجه شارك في "مهرجان حيفا السينمائي" في الأراضي المحتلة. وسبق للحملة المغربية "للمقاطعة الأكاديميّة والثقاقية لإسرائيل" ان أعلنت أنه وبرغم التذرع بأن ملكية الأفلام تعود للموزعين الدوليين، إلا أن "المخرجين يبقون مسؤولين فكرياً" عن مشاركة أفلامهم ضمن مهرجانات سينمائية في الكيان المحتل". وتجدر الإشارة إلى أنها ليست أول مرة يتورط فيها المخرج المذكور بنشاط تطبيعي، وقد دعت حملة مقاطعة داعمي إسرائيل - لبنان، الجمهور اللبناني إلى مقاطعة هذا الفيلم.

لا شك أن كل مشاركة فنية أو رياضية أو ثقافية عربية مع الجانب الاسرائيلي تعد مساهمة عدائية لضرب المجتمعات العربية لصالح العدو، ومساهمة فعلية في تلميع صورته وجعله جزءًا من نسيج المنطقة، وبالتالي فإن كل مشاركة من هذا النوع هي خطوة مباشرة على طريق التطبيع، وهذا ما يعمل عليه العدو الصهيوني اليوم ومن يؤيده من أجل زرع أفكار تقبل التعايش معه، في عقول الشعوب لا سيما فئة الشباب، خاصةً عبر الأدوات الثقافية والفنية التي يمكن أن يكون لها التأثير الأكبر على عقول الشباب.

الفنونالإعلامالتطبيع

إقرأ المزيد في: آراء وتحليلات

التغطية الإخبارية

مقالات مرتبطة