نقاط على الحروف

"الجديد" واللغة السافرة: ما الدلالات؟
29/12/2022

"الجديد" واللغة السافرة: ما الدلالات؟

علي عبادي

لم تكن الحلقة الأخيرة في برنامج ساخر تذيعه قناة "الجديد" اللبنانية سوى القشة التي قصمت ظهر البعير في أداء راج في وسائل إعلامية عدة دأبت على هتك "المقدس" في البيئة الشعبية، امتداداً لمسار بدأ في أوروبا مع سلمان رشدي ومسلسل الرسوم الكاريكاتورية المسيئة للإسلام وصولاً مؤخراً إلى هتك الحجاب والعمامة ورموز إسلامية أخرى في ايران بتشجيع وتحريض من أدوات الاستكبار الغربي بعنوان ممارسة الحرية، ويمارس اليوم في لبنان والعراق وبلدان أخرى من جهات محترفة مموَّلة ومدرَّبة. يضاف إلى ذلك المجاهرة في نشر القيم الفاسدة تزامناً مع رعاية وتشجيع أميركا ودول أوروبية عدة الشذوذ الجنسي وثقافة التهتك والفردانية الموغلة في التنكر للقيم الدينية والأخلاقية.

فتحُ الهواء للشاذين والتطرق إلى قضايا تدور في غرف النوم بشكل خادش للحياء العام، هو صلب القضية محل الخلاف مع "الجديد".
أما ما أقدمت عليه القناة في البرنامج الساخر المذكور فهو تفصيل لكنه هام ومحمَّل بالدلالات التي يصعب المرور عليها مرور الكرام. ولذلك، يمكن القول إن الإحتجاجات الشعبية على مواقع التواصل ضد "السكتش" الذي بثته القناة في برنامجها كانت منطلقة من خلفية رفض الإساءات المتراكمة في برامج لا تنحصر في هذه القناة، لكن الأخيرة باتت تحتل الطليعة في الحرب النفسية الماكرة بحق المقاومة وشعبها والبيئة المحافظة عموماً، بملاحظة أنها تخلط رسائلها المؤذية قيمياً وأخلاقياً (وكذلك سياسياً في الآونة الأخيرة) بالتودد إلى جمهور المقاومة بطرق شتى.

في الشكل، استخدام ممثلة تجسّد دور فتاة من البيئة الشعبية المساندة للمقاومة: تنتسب إلى عائلة جنوبية معروفة، ترتدي حجاباً لزوم التمثيل، وتتخذ اسم "بتول" الشائع في البيئة الشيعية لزوم التمثيل أيضاً، وتتحدث بلهجة جنوبية تصبغ الهوية، يدل بجلاء على طبيعة الجمهور المستهدَف بالخطاب. وجمعُ هذه الممثلة بين الشخصية الرمزية والتهتك في التعبير يقود الى استنتاج أن "الجديد" التي قدّمت علناً فروض التودد إلى السفارة الأميركية والسفارة السعودية، فضلاً عن ارتباطات منفعية متعددة أخرى، تريد ضرب هذه البيئة الصامدة من بيت أبيها.

إستراتيجية دعائية

في المشكلة الحاصلة، لجأت إدارة "الجديد" إلى التعامل مع الموقف الذي افتعلته وفق الإستراتيجية الدعائية التالية:

- استخدام السخرية، وقد باتت السخرية سلاحاً نفسياً للتأثير على المتلقين والنيل من معنويات الخصوم حين لا يجدي البث الإعلامي، الصريح حيناً والمستتر أحياناً، في النشرات والبرامج السياسية نفعاً.

- التقليل من شأن الإهانة الواقعة بحق شريحة واسعة من اللبنانيين، وهم أهل الجنوب الذين واجهوا بشرف وكرامة الاحتلال الصهيوني على مر عقود من السنين. فمن القول إن ما جرى عمل فني ساخر، بقصد اعتباره أمراً طبيعياً ينبغي تقبّله والتكيف معه بالغاً ما بلغت الإهانة لأن الفن لا يسري عليه مفهوم السمعة والكرامة، إلى اعتبار ما جرى "مزحة تقيلة" من دون الاعتذار عنها، إلى الهروب للأمام والدفاع عن الخطأ والإصرار عليه، بما شكّل استفزازاً وخطيئة في نظر الناس الذين وقعت الإساءة عليهم.  

- التهويل: من خلال تصوير ردود فعل جمهور المقاومة بأنها هجوم واعتداء على الحريات، ومن ثم اعتبار بعض الردود تهديداً مادياً للقناة المسيئة (الحديث عن رمي زجاجة حارقة على رصيف خارج سور مركز القناة لم يتسبب بأي ضرر)، واستجلاب مواقف وتصريحات في استدعاء واضح لتكبير "المشكل" بدلاً من معالجته ولملمة أطرافه، وهذا دأب قناة "الجديد" في ممارسة الصراخ الإعلامي لكسب التأييد والإيحاء بأنها تتعرض لعدوان.  

- الشخصنة: عبر خوض جدل مفتعل من قبل القائمين على القناة مع نجل الأمين العام لحزب الله مثلاً من أجل الرماية غير المباشرة على الحزب وأمينه العام، وهذا أسلوب "زقاقيّ" في السجال بملاحظة أن السيد جواد نصر الله لا يملك قناة أو أداة تلفزيونية لمساجلة القناة المذكورة، كما أن الحزب لم ينخرط جدياً في هذه القضية باستثناء تصريح "معتدل" النبرة لأحد نواب كتلته.  

- لعب دور الضحية: عبر تصوير ما حصل على أنه هجوم من حزب الله بكلّه وكَلْكله على قناة إعلامية؛ بهذا المعنى تُضخّم "الجديد" مكانتها باعتبار أنها تواجه هجوماً من حزب له ثقله ودوره الفاعل في لبنان والمنطقة. وفي هذا استعطاف للمشاهدين واستدعاء لدعم الداعمين الذين يرون في القناة وسواها أدوات وظيفية ممكنة للنيل من حزب الله.
 
* سبل المواجهة

هناك طريقتان لمواجهة الإساءة: السكوت، وهذا ديدن حزب الله تقليدياً في تجنب السجال داخلياً، لكن ذلك قد يُفهم خطأ على أنه تسامح يستجرّ مزيداً من التطاول على مشاعر أهل المقاومة، والانخراط العفوي في مجموعة ردود شعبية على مواقع التواصل، ولها إيجابيات وربما بعض السلبيات أيضاً.

ومن هنا ضرورة ضبط حدود التعامل مع الموضوع من خلال تعيين أهداف الرد وتشخيص الضوابط السياسية والأخلاقية في مواجهة طرف متفلت من هذه الضوابط.

ينبغي أن ندرك أننا في مواجهة حرب إعلامية نفسية ربما لا تحتاج الى استخدام الزنود والعضلات كما يذهب بعض المنفعلين على مواقع التواصل. ويقودنا تحييد القوة المادية إلى ضرورة التفكير بشكل حثيث في استخدام الأدوات الناعمة، وقد يكون منها على سبيل المثال لا الحصر:

- استخدام السخرية في مواجهة السخرية. وهذا متاح عبر إنتاج "سكتشات" على مواقع التواصل تنال من أهل السخرية انطلاقاً من قوله تعالى في قصة النبي نوح عليه السلام مع قومه: "إنْ تسخروا منا فإنّا نسخر منكم كما تسخرون" (سوة هود، الآية 38). وقد يكون من أدوات السخرية استهداف الممثلين المشاركين في حملة الإساءة والقنوات التي توفر لهم عدّة القتال الإعلامي الماجن.

- مقاطعة القنوات المسيئة كلياً، سواء باستقبال بثها أو المشاركة في مسابقاتها أو استصراحاتها في الشارع والاستديو وما إلى ذلك. وتجربة المقاطعة كانت فعالة في السنوات الأخيرة وتتطلب ترميم بعض الثغرات فيها، وهذا أوانها.

- ممارسة احتجاجات قطاعية مدروسة أمام مراكز الجهات المسيئة (اعتصام نسائي مثلاً رداً على الإساءة للمرأة الجنوبية).

- إطلاق حملات تعبوية على مواقع التواصل تبتغي تحقيق نتائج مشخَّصة وتتلافى أية تعابير أو أساليب منحطة، على قاعدة عدم الانجرار والنزول إلى مستوى الجهات المسيئة، وهذا تحدٍّ يستلزم خوضَه بذكاء.

- رفع دعاوى قانونية من قبل المتضررين في وجه الأداء الإعلامي الهابط، باعتبار أن الاعتداء المعنوي أشد أحياناً من الاعتداء المادي.  

المعركة الجارية مع وسائل إعلام مسيئة (أصبحت هذه الوسائل طرفاً وركناً في الأدوات الاحتياطية لجبهة الاستكبار) هي تهديد ينبغي تحويله إلى فرصة لتطوير الرد الإعلامي بشكل احترافي، ومن المفيد أن تتولاه جهة متخصصة تداركاً لأية أخطاء ستستغلها القنوات المسيئة على طريقة "ضربني وبكى، سبقني واشتكى". وقد أصبحت السخرية سلاحاً نفسياً مؤثراً في السنوات الاخيرة، وكانت كذلك على مر التاريخ، للنيل من معنويات الجمهور المستهدَف وهز ثقته بنفسه وقيمه، كما لإسقاط الرموز معنوياً في وعيه.

الإعلامالإعلام والاتصالالحرب الناعمة

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف

التغطية الإخبارية



 

مقالات مرتبطة

خبر عاجل