نقاط على الحروف

28 عامًا.. وثأرُ قانا ما زال قائمًا
18/04/2024

28 عامًا.. وثأرُ قانا ما زال قائمًا


تحضر قانا إلى الذّهن كلّما قيلت كلمة "مجزرة". تحضر بكلّ ما حفرت في الذهن والذاكرة من صور وأصوات وألم، رغم أنّها لم تكن الأولى ولا الأخيرة؛ قانا تعود مع كلّ فظاعة يرتكبها الاحتلال، وتعيدنا إلى لحظة الذهول التي عشناها وبقيت فينا، كأن لا يمرّ عليها الزمان.

في الثامن عشر من نيسان/أبريل ١٩٩٦، وبعد أن التجأت مئات العائلات من بلدات قانا، جبال البطم، صديقين، رشكنانيه، حاريص، والقليلة إلى معسكر للأمم المتحدة والذي تتواجد فيه القوّة الفيجيّة. ومع حلول الساعة الثانية من بعد الظهر، انهمرت فوق رؤوس النساء والأطفال والعجّز أكثر من ١٧ قذيفة مدفعية بعيدة المدى أطلقها الاحتلال من مرابضه عند الحدود. بثوان قليلة، أكثر من ٢٥٠ مدنيًّا تناثروا بين شهيد وجريح. دم غطّى الأرض، نار وأصوات زفرات من لم تتقطّع أجسادهم يملأ المكان بعبق لا شبيه له: أشلاء اختلطت، جثامين احترقت، بكاء أطفال نجوا، صراخ أحبّة فقدوا، ووجوه تجول بذهول في المكان ولا تصدّق ما ترى. ساعات ثقيلة مرّت: هُرعت كاميرات الإعلام إلى المكان ونقلت الصورة كما هي. لا أسئلة يمكن أن تطرحها الصحافة على الناجين وعلى الفاقدين وعلى الباحثين بين الجثامين عن رائحة طفلة لهم كانت قبل ساعات تسأل "متى نعود للبيت؟" وفي الأشلاء عن قدم صغيرة تشبه قدم ابن أودعه الوالد في ظلِ خيمة الأمم، عسى ينجو من شرّ القذائف والنار.

بعد أن أنهى المسعفون إجلاء الجرحى ونقل الجثامين والأشلاء، أعلن عن استشهاد ١٠٦ مدنيين جلّهم من النساء والأطفال، عن ١٨ جثمانًا حمل اسم "مجهول" لاستحالة التعرّف على هويّة صاحبه، وعن جرح سيظلّ محفورًا في وجدان كلّ من شهد، عن قرب أو عبر الشاشة، الساعات الأولى التي تلت المجزرة في قانا.

في "قانا"، البلدة الجنوبية، ساحة مدافن جماعية ضمّت شهداء المجزرة. الذي يزورها يستشعر تلك اللحظات التي مرّ عليها ٢٨ عامًا ولم تزل كأنها حدثت بالأمس، بحيث لا يحتاج المرء أن يتذكّر، فلا خشية من النسيان. رافق شعار "كي لا ننسى" كلّ السنوات التي أحيا فيها أهل المقاومة ذكرى المجزرة، وهم بذلك لا يعنون أنّ الذي جرى في مثل هذا اليوم قابلٌ للنسيان ولو مرّ ألف دهر، بل لتذكير كلّ الذين لا يزالون يصدّقون أنّ همجية العدوُ تُردّ بالقرارات الدولية وبالمواثيق العالمية وبمظلّة الأمم المتحدّة، لتذكير كلّ الذين أُصيبوا بذاكرة تصفح عن العدوّ مهما فعل، وبعقل يبحث له عن أعذار ومبرّرات، فيصبحون بفعلهم هذا شركاءه في سفكِ دماء النساء والأطفال الذي اعتقدوا أن نيران العدوّ لن تطالهم وهم داخل مقرّ للأمم المتحدة.

ارتكب العدوّ مجزرة قانا الأولى خلال عدوانه على لبنان والذي فشل في تحقيق أهدافه رغم الستة عشر يومًا من القصف المتواصل واستهداف المدنيين والبنى التحتية في الجنوب. وإن قمنا بقراءة سريعة لهذه الأهداف، نجد أنّها لم تزل كما هي، لم يتحقّق منها شيء: ضرب بنية حزب الله عبر تفكيك مؤسساته والقضاء على رموزه الأساسية، وتدمير البنية العسكرية للمقاومة الإسلامية بما يضمن منع وصول الصواريخ إلى شمال فلسطين، وإحداث شرخ بين المقاومة والشعب بالإضافة إلى فرض معادلات جديدة على المستوى العسكري وتحقيق أهداف سياسية تتعلق بداخل كيان العدو. لا فرق بين ١٩٩٦ و٢٠٢٤ سوى أنّ المقاومة التي حاربته بالكاتيوشا في نيسان وهزمته، وبالعبوات البسيطة، وفرضت عليه أن يندحر من الجنوب في أيار ٢٠٠٠، قد نمَت اليوم، لأن ما كان لله ينمو، وصارت تنقضُّ بالمسيّرات على جموع جنوده، فتبدّدهم، وتحدّد أهداف نيرانها وتصيبها بأدقّ صورة "بالأسلحة المناسبة"، الدقيقة والموجَّهة إذا لزم الأمر، وأحيانًا باستخدام عدّة أنواع من الأسلحة ضدّ هدف واحد، وهو ما تحدثت عنه بالأمس الوسائل الإعلامية في كيان الاحتلال: "حزب الله أدخل أدوات جديدة في المعركة وأظهر جرأة نارية عبر الدمج بين أسلحة مختلفة ضدّ هدف معين في وقت واحد". وكلّ هذا والعدو لم يزل يجهل إلى أي مدى طوّرت المقاومة صواريخها وسلاحها، وما هي المفاجآت التي لم تزل طيّ السرّ.

ثمانية وعشرون عامًا، وما زال العدوّ كما عرفناه منذ ما قبل قانا، يحاول تعويض خسائره العسكرية في الميدان بارتكاب المجازر الوحشية بل بارتكاب الإبادة الجماعية والذهاب في همجيته إلى أقصى حد، ولم تزل الأمم المتحدة عاجزة وبتواطؤ واضح مع الصهاينة، تفرضه الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا، عاجزة عن وقف الإبادة ومنع الصهاينة من التمادي بعد في تحاوز ملّ الخطوط الحمراء الإنسانية، تمامًا كما عحزت بعد ظهر ١٨ نيسان ١٩٩٦ عن حماية نساء وأطفال وعِجّز، التجأوا إلى خيمتها بحثًا عن الأمان، وخرجوا منها شهداء وجرحى.. لا ننسى. أبدًا. فالذي كمثل قانا، ليس قابلًا للنسيان.

قانا

إقرأ المزيد في: نقاط على الحروف